حبَّ الذات والأنانية منشأ مفاسد العالم
إننا نتصوّر أنَّ القرآن الكريم في قصة آدم - التي يجب القول بأنها قصة رمزية ولكنها تعليمية بشكل كبير - وجّه إلينا أوامر بحيث لو عمل بها البشر لشكلت حلًا لجميع المشكلات ، لقد قال الله للملائكة - قبل أن يخلق آدم - سأقوم بهذا العمل - فالملائكة ينظرون ناحيتهم التقدسية من جهة وينظرون ناحية فساد أدم من جهة أخرى فيقولون : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك ؟ فينظرون إلى أنفسهم بمنظار التقدّس ، وينظرون إلى آدم بمنظار الفساد ، فيرون في أنفسهم الناحية الإيجابية وفي آدم الناحية السلبية فيقول الله لهم : » إنّي أعلم ما لا تعلمون « « 1 » ، أنتم لا ترون إلّا أنفسكم فأنتم أنانيّون ، ولا ترون الكمالات في آدم . وبعد ذلك يُكمل القصّة بأنَّ الله علّم آدم « الأسماء » التي هي في حقيقتها » أسماء الله « ، وكل شئ هو أسماء الله ( ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم تعلمون ) فلما رأوا أنهم عاجزون تراجعوا ، وبعد خلقه آدم أمرهم بالسجود » فسجد الملائكة كلّهم أجمعون إلّا إبليس لم يكن من الساجدين « والسبب في عدم سجود إبليس هو الأنانية حيث يقول : » خلقتني من نار وخلقته من طين « ، إنه أدنى مني وأنا أرفع منه . في هذا أيضاً الوجهة الأنانية ولهذا السبب لم يسجد . لذلك طرد ، ثم هدد الله بعد أن طلب الإمهال فقال : » أنظرني إلى يوم يبعثون « وبعد أن منح الفرصة واطمأن نراه ينذر الله بالقسم بعزّته إذ قال : » فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين « 2 » « .
من هنا نفهم أن قضية الأنانية إرث الشيطان ، إذ كانت هذه القضية منذ بدء العالم حين وسوس لآدم وأغواه بأنهم يريدون حبسك هنا فلو قبلت مشورتي ونصحي لكان لك أكثر من هذا . ومن الجهة الأخرى نجد آدم يقبل بذلك . إن هذا تعليم عام باق لحد الآن حيث يجب أن يكون لنا عبرة . اعلموا أن الأنانية وحب الذات إرث شيطاني ، وكل المفاسد التي تحصل في العالم سواءكانت مفاسد أفراد أو مفاسد حكومات أو مفاسد مجتمعات ناتجةعن هذا الإرث الشيطاني ، وكل المفاسد التي تحصل في العالم تنشأ من مرض الأنانية سواء كان الشخص جالساً في زاوية بيته ومشغولًا بالعبادة وأعجب بذاته ، أو كان داخل المجتمع وعلى اتصال مباشر بالناس وظهر منه الفساد فذلك من أنانيته ، وحتى الحكومات
هامش
( 1 ) سورةالأعراف ، الآية 17 .
( 2 ) سورة الأعراف ، الآية 12 .