الفاسقون ) « 1 » التي تأتي بعد الآية الكريمة المتقدمة . وحسب الاحتمالات المتقدمة فإن في هذه الآية الشريفة توجد احتمالات مختلفة المراتب ومتحدة الحقيقة وتناسبها احتمالات ليس هنا مجال لتفصيلها . واكتفى بذكر مسألة واحدة وهي أن نسيان الحق يؤدي إلى نسيان الأنفس سواء كان النسيان يعني عدم التذكر أو الترك ، فكلاهما تحذير شديد . إن من ضرورات نسيان الحق تعالى هي أن ينس الانسان نفسه أو قل يدفعه الله تعالى إلى نسيان نفسه وهو ينطبق على جميع المراحل السابقة ، ففي مرحلة العمل فإن من نسي الله وحضوره - جل وعلا - يصاب بنسيان نفسه أو سياق إليه ، وينسى عبوديته ويساق إلى نسيان مقام العبودية . وأن يحل الشيطان فيه مكان نفسه وهو الذي لا يدري ما هو ومن هو ، ما هو واجبه وما هي عاقبته . إن الشيطان عامل العصيان والطغيان وإن لم ينتبه الانسان وانتقل من هذا العالم في حالة الطغيان والعصيان قد يتحول إلى شيطان مطرود من الحق تعالى . وبمعناه الثاني أي الترك ، فإنه أكثر إيلاماً إذ لو أدى ترك طاعة الحق وترك الحق إلى أن يتركه الحق ويكله إلى نفسه وقطع عنه عناياته ، لا شك في أن ذلك ينتهي إلى خذلانه في الدنيا والآخرة . وإننا نلاحظ في الأدعية الشريفة « 2 » المروية عن المعصومين أنهم يدعون إلى ألا يكلهم إلى أنفسهم إذ أنهم - عليهم السلام - كانوا يعلمون تبعات هذه المصيبة ونحن عنها غافلون .
بُني ! لا تستصغر الذنوب مهما بدت صغيره لك . ( انظر إلى من عصيت ) « 3 » وبهذه النظرة تبدو الذنوب كلها كبيرة ولا تغترّ بشيءٍ ولا تنس حضور الله تبارك وتعالى في كل حال ، إذ أن كل شيء منه ولو انقطعت عنايته الرحمانية عن كائنات عالم الوجود لحظة واحدة فلا يبقى أثر حتى من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين إذ أن جميع العالم تجلٍ لرحمانيته - جلّ وعلا - وإن رحمته الرحمانية - جلّ وعلا - مع قصر اللفظ والتعبير تُبقي نظام الوجود باستمرارية و ( لا تكرار في تجليه جل وعلا ) وقد يعبّر عنه ببسط الفيض وقبضه على سبيل الاستمرار . على كل حال فلا تنسه ولا تغترّ برحمته ، كما عليك ألا تيأس وألا تغتر بشفاعة الشافعين - عليهم السلام - إذ أن لها موازين إلهية ونحن عنها غافلون وأن يكون أساس سلوكك وعملك التأمل في أدعية المعصومين -
هامش
( 1 ) ( 1 ) سورة الحشر ، الآية 19 .
( 2 ) ( 2 ) فقد ورد في أدعية كثيرة من المعصومين - عليهم السلام - ( لا تكِلني إلى نفسي ) و ( لا تكِلني إلى نفسي طرفة عين ) الكافي 524 : 2 / 10 ، كنز العمال 139 : 2 / 3498 ، كما يقول الإمام السجاد - عليه السلام - : ( وانظر لي في جميع أموري فإنك إن وكلتني إلى نفسي عجزت عنها ولم أقم ما فيه مصلحتها ) . الصحيفة السجادية 120 دعاؤه عند الشدة والجهد وتعسّر الأمور . ويقول في دعاء آخر : ( ولا تكلني إلى حولي وقوتي . . . ) الصحيفة السجادية 328 دعاؤه في يوم عرفة .
( 3 ) ( 3 ) بحار الأنوار 77 : 74 / 3 .