متوقف عن السير أو متراجع . وهذا مما يحتاج إلى المراقبة والمحاسبة . إذا كان ملك الجنّ والانس لأحد بدافع الهي بل حتى إذا حصل عليه بتلك الدوافع فإنه عارف بالله وزاهد في الدنيا . وإذا كانت الدوافع نفسانية وشيطانية فكل ما يحصل عليه ولو كان مسبحة فقد ابتعد عن الله تعالى بنفس القدر .
يابُني ! اقرأ سورة الحشر المباركة حيث تحتوي على خزائن المعرفة والتربية وهي تستحق أن يتدبر فيها انسان طول عمره ليكسب منها زاد الآخرة بالعون الإلهي . خاصة آياتها الأخيرة حيث يقول الله : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) « 1 » حتى نهاية السورة فهذه الآية الصغيرة لفظاً الكبيرة معنى تحتمل أفكاراً بناءة تنبّه الانسان منها :
أولًا . يمكن أن تخاطب الذين هم في المرحلة الأولى من الإيمان مثل إيمان عامة الناس ، ففي هذا الاحتمال فإن الأمر بالتقوى هو الأمر بأول مراتبها . وهي تقوى العامة وهي تجنب مخالفة الأحكام الظاهرية الإلهية وتتعلق بأعمال الأعضاء والجوارح . وعلى هذا الاحتمال فإن جملة ( ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ ) تحذر من تبعات أعمالنا وهي تشهد على أن ما نقوم به من أعمال تنتقل إلى النشأة الأخرى وسوف تصل إلينا وقد وردت في ذلك آيات وأخبار كثيرة .
إن التفكير في هذا الأمر يكفي القلوب الواعية بل يوقظ القلوب المستعدة لذلك وقد يكون دليلًا على المراتب الأخرى والمقامات الأسمى - والظاهر هو أن تكرار الأمر بالتقوى تأكيد وإن كانت تحتمل أمراً آخر أيضاً . وقوله : ( إن الله خبير بما تعملون ) تحذير جديد من أن أعمالكم لن تخفى على الله تعالى إذ أن العالم محضر الحق تعالى .
ثانياً . يمكن أن تخاطب الآية ممن أوصلوا الايمان إلى قلوبهم . فربما يؤمن انسان بالشهادتين حسب الظاهر ولكن قلبه يكون غافلًا عنها ، وأن يكون عالماً معتقداً بالأصول الخمسة دون أن يبلغ هذا العلم والايمان قلبه ، وقد يكون الجميع كذلك إلّا الخواص من المؤمنين . وإن المعاصي التي تصدر عن بعض المؤمنين تأتي من ذلك ، فإذا كان القلب واعياً بيوم الجزاء والعقاب مؤمناً به ، يستبعد أن تصدر عنه المعصية والعصيان . ومن آمن قلبه بعدم وجود إله إلّا الله سوف لن يميل إلى غير الحق تعالى ولا يمدح الآخرين ولن يخاف غيره .
بُني ! قد أجدك قلقاً على التهم الموجهة إليك والإشاعات الكاذبة حزيناً عليها . فعليّ أن أقول أولًا بأنك ما دمت حياً وتتحرك واعتبرك الآخرون مصدراً للتأثير ، فإن الانتقاد والتهمة ونسج الإشاعات ضدك موجود لا محالة . إن العقد كثيرة والتوقعات تزداد يومياً والحسد كثير . إن من يعمل خالصاً لله لن يسلم من أذى أصحاب النوايا السيئة . فلقد رأيت عالماً تقياً كان الجميع
هامش
( 1 ) ( 1 ) سورة الحشر ، الآية 18 .