تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
يا بني بأني مستعد لتقديم جميع المناصب الدنيوية لبلوغ هذه الحالة . ولكن هيهات مني بلوغ ذلك ، خاصة وأنا أعاني من مكائد إبليس والنفس الخبيثة . بُني ! لقد فاتني ذلك ( يشيب ابن آدم وتشبّ فيه خصلتان الحرص وطول الأمل ) « 1 » ولكنك تتمتع بقوة الشباب وقدرة العزيمة أرجو أن تتمكن من السير في طريق الصلحاء . ولا أقصد بذلك أن تتنحى عن خدمة المجتمع وتنعزل عنه وتكون عالة على عباد الله ، إذ أن ذلك من صفات المتنسكين الجاهلين أو الدراويش المتاجرين . إن سيرة الأنبياء العظام - صلى الله على نبينا وعليهم أجمعين - والأئمة الأطهار - عليهم السلام - الذين يمثلون قمة العارفين بالله والمنطلقين عن كل قيد والمرتبطين بالساحة الإلهية في الثورة ضد الحكومات الطاغوتية وفراعنة العصر بكل قوة ، حيث عانوا الآلام لتطبيق العدالة في العالم ، تعلّمنا دروساً كبيرة في هذا الطريق وإن كانت لدينا عيون مبصرة وآذان صاغيه سيفتح طريقنا قوله : ( من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم ) « 2 » . يا بني لا تدلّ العزلة الصوفية على الاتصال بالحق ، كما لا يدلّ الدخول في المجتمع وتأسيس الحكومة على الانفصال عن الحق . إن المعيار في الأعمال دوافعها ، ما أكثر العبّاد والزهاد الذين يعيشون في شرك إبليس ويبعدهم عن الحق ويجرهم نحو الشرك بما يناسبه من التكبر والأنانية والغرور والإعجاب بالنفس وتحقير عباد الله والشرك الخفي وما شابه ذلك ، وربّ مسؤول للحكومة ينال قرب الحق تعالى بالدافع الإلهي ، أمثال النبي داود والنبي سليمان - عليهما السلام - وأفضلهم وأشرفهم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم وخليفته بالحق علي بن أبي طالب عليه السلام وكالامام المهدي - أرواحنا لمقدمه الفداء - عند إقامة حكومته العالمية ، فالمعيار في العرفان والحرمان هو الدافع . وكلما اقتربت الدوافع من نور الفطرة وابتعدت عن الحجب حتى حجب النور ، اتصلت بمصدر النور حيث أن الكلام عن الاتصال في نفسه يعدّ كفراً . بُني ! لا تتخل عن المسؤولية الانسانية التي هي خدمة الحق في حالة خدمة الخلق ، إذ أن صولة شيطان وجولته في هذه الساحة ليست أقل منها بين المسؤولين من أصحاب المناصب ، ولا تحاول نيل المناصب - المادية أو المعنوية - بحجة القرب من المعارف الإلهية أو خدمة عباد الله ، إذ أن الاهتمام بها من الشيطان فكيف السعي للحصول عليها . اسمع موعظة الله الوحيدة بالقلب وبالروح واقبلها بكل وجودك وسر على نهجها : ( قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ) « 3 » . إن المعيار في بداية المسير القيام لله سواء في الأعمال الفردية أو الأنشطة الاجتماعية ، فحاول أن تنجح في هذه الخطوة الأولى إذ أنها أسهل في عهد الشباب وأكثر نجاحاً . فلا تكن مثل والدك الهرم الذي إما هو
هامش
( 1 ) ( 1 ) بحار الأنوار 22 : 70 / ذيل الحديث 11 . ( 2 ) ( 2 ) الكافي ، 163 : 2 / 1 . ( 3 ) ( 3 ) سورة سبأ ، الآية 46 .