إن كيفية الوحي هي من الأمور التي ليس بوسع أحد أن يفهمها غير رسول الله ومن كانوا معه في خلوته ، أو الذين استلهموا منه كيفية نزول الوحي . ولهذا فكلما أرادوا أن يعرفوا ذلك قاموا بتعريفه على قدر فهمنا نحن العوام . مثلما يعرّف الله تبارك وتعالى نفسه للناس على قدر فهمهم من خلال ذكره للإبل « 1 » والسماء والأرض والخلق إلى غير ذلك . وكل هذا لأن البيان قاصر عن أداء الموضوع حقه ، وقد تطرق القرآن إلى ذلك بالقدر الذي بوسع البيان أداؤه . ولم يفعل ذلك أي كتاب آخر ، ومن قام بذلك فإنما فعل ذلك أسوة بالقرآن .
القرآن باب المعرفة الإلهية
لو لم يكن القرآن لكانت باب معرفة الله مغلقة إلى الأبد . وما حققته الفلسفة اليونانية يعتبر مهماً في مجاله لأنها تبرهن على وجود الله تبارك وتعالى بالاستدلال لا المعرفة ، والمعرفة غير اثبات الوجود . وقد سعى القرآن للبرهنة عبر الطرق المتعارف عليها .
ويتجلى البعد الآخر في عرفان القرآن ، وان هذا القدر الموجود في القرآن لا تجدونه في أي كتاب آخر ، وان التعابير الواردة في القرآن تختلف تماماً عن تلك المتداولة في كتب العرفان الإسلامي رغم النقلة النوعية التي ارتقت إليها بالنسبة إلى ما كان متداولًا في العرفان قبل الإسلام . وكل هذا من بركات البعثة . علماً أن القدر المتجلي في المعنويات لم يتجسد في الماديات . ذلك أن اتصال المعنوي بالمادي وانعكاس المعنوي في مختلف الأبعاد المادية ، انما هو من خصوصيات القرآن ومن إفاضاته . فالقرآن وفي ذات الوقت الذي هو كتاب معنوي عرفاني ، فإنه أيضاً كتاب لتهذيب الأخلاق ويبرهن على موضوعاته بالاستدلال ويوصي بالوحدة وبالقتال ، وكل ذلك من خصائص كتابنا السماوي الذي يفتح باب المعرفة بما يتناسب مع فهم الإنسان واستيعابه . ومن المؤمل أن نأخذ بنظر الاعتبار مختلف أبعاده ، نحن اتباع الإسلام والقرآن ، ونجاهد لتحقيق أهدافه وتطلعاته .
مقارعة الظلم وإنقاذ الإنسان هما الدافع لبعثة الرسول
فإذا ما تمسكنا بهذا البعد الظاهري للقرآن ، الذي يتطلع إلى إدارة شؤون الإنسان وإنقاذه من الظلم الذي يتعرض له ، لأن أحد أهداف القرآن القضاء على الظلم وتحقيق العدالة الاجتماعية للبشرية جمعاء ، إذا ما سعى المسلمون إلى نشر هذا البعد القرآني الذي يهدف إلى تطبيق العدالة الإسلامية في العالم ، حينها سيتحقق عالم تسوده الصورة الظاهرية للقرآن . وان الشعب الإيراني الذي قام ونهض وقطع دابر الظالم ، ينبغي أن يتطلع إلى تحقيق العدالة ، وان يعمل بكل ما في
هامش
( 1 ) ( ) سورة الغاشية ، الآية 17 .