من هذا المنصب استناداً إلى ما نص عليه : " لا يصيب أمرنا . . . الخ " - كما هو الظاهر المظنون في بعض روايات أبي الجهد - يوضح أنه يمثل في نهاية المطاف إحدى صور الود التي تحدثت بها الآية الكريمة : " الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا « 1 » " . إن أمثال هذه المقولات التي لم تكتف بظواهر الأعمال ، واعتمدت المحبة والود والإخلاص والقداسة ، وباختصار اعتمدت الروح ميزاناً هي التي منحتني الجرأة لكشف الغطاء وبيان مكنوناتي القلبية ؟ أجل ، منذ سنوات عديدة زرع بستانيُّ القلوب بذرة طاهرة طيبة في قلبي ، وسخر لنموها كل عوامل الحياة ، ووفر احتياجاتها من منابعي الخاصة ، فغمرها بأشعة حياتية ربانية من مشكاة مضيئة باهرة ، وسقاها ماءً عذباً زلالًا من نبع القدس ، وأودع فيها شوقاً كاملًا وحماسة عظيمة . وهيأ لها موضوعات علمية دقيقة وعميقة وأصولًا عريقة لينهل منها العقل من خلال جلسات درسه . وأحيى فيه بارقة أمل ممتعة بالمستقبل ، وبرغم عجالة الإنسان الطبيعية ، جعل تلك البذرة تنمو تدريجياً بتدبير رصين وتأنٍ تام . وحينما انطلقت الموهبة بوتيرة متسارعة ، وحدث ما حدث الذي قاد إلى الانفصال . وبوحي من هذا الانفصال نمت البذرة وتكاملت بمرور الأيام . وخلال مدة قصيرة ، وبسرعة مدهشة ، أضحت نبتة قوية تمتد جذورها الراسخة في أعماق القلب . ومما يؤسف عليه أن رياح الهجران المحرقة لم تمهل النبتة لتعطي ثمارها ، وذبلت أوراقها الطرية مما أدى إلى إخماد لهيب البهجة في عيني وذبول نبتة الأمل في قلبي . . ولكن من يدري ربما هذه الحرقة والذوبان هي الأخرى من تدابيره الحكيمة كي ينمو ويتكامل التلميذ . . فيا أيها الفراق الملتهب قليلًا من التأني ، ويا لهيب الغربة قليلًا من الهدوء ، فهذا القلب الحزين لا يطيق كل هذا العذاب . . يا إلهي ، يا من منك القلب ، ومنك الود ، ومنك الوجود ؛ أغمر قلوبنا بمحبتك ومحبة أوليائك . يا إلهي ، مُنَّ علينا بقدم تقودنا إلى جوارك ، وأرنا الطريق لنصل إليك . . الآن وحيث ينتهي البوح بمكنونات القلب ، ويسكن لهيب القلب ، ينبهني العقل ثانية بأن هذا الأسلوب في الحديث لا يليق . أجل ، فأنا كنت هكذا دائماً وكان الحياء يحول دون كل شيء ، حتى علاقاتي القليلة ، وعندها كانت تتراكم الهواجس وتبرز مرة واحدة في شقشقة ، أو حديث يفتقر إلى الطرافة ، أو تجعل مني امرءاً متقلّب المزاج . ولكن يرتسم للعقل ثانية المصطلح المعنون في كتاب القضاء : لابد لمن يجد في نفسه أهلية القضاء أن يعرف نفسه للحاكم ، والعقل والاستحسان يحتّمان على المريد الحقيقي والتابع الكامل أن يعرف نفسه في مقام الامتثال والتأهّب لتنفيذ أوامر مولاه . ولكن كل ذلك ليس أكثر من ذريعة ، إنّي التمس من الأب الروحي الإجابة - قدر الإمكان - عن المسائل المرفقة طياً وهي ضرورية .
الثالث من رمضان سنة 1383 ه - . ق
قم : مدرسة خان ، محمد علي كرامي القمي ) .
هامش
( 1 ) سورة مريم ، الآية 96 .