( 6 ) تنبيه [ في بيان سرّ ما أشار إليه في الفصل السابق ]
قد يكون للإنسان - وهو على اعتدال من أحواله - حد من المنة محصور المنتهى فيما يتصرف فيه ويحركه - ثم تعرض لنفسه هيئة ما فتنحط قوتها عن ذلك المنتهى - حتى يعجز عن عشر ما كان مسترسلا فيه - كما يعرض له عند خوف أو حزن - أو تعرض لنفسه هيئة ما - فتضاعف منتهى منته حتى يستقل به - بكنه قوته كما يعرض له في الغضب أو المنافسة - وكما يعرض له عند الانتشاء المعتدل - وكما يعرض له عند الفرح المطرب - فلا عجب لو عنت للعارف هزة كما يعن عند الفرح - فأولت القوى التي يعرض له سلاطة أو غشيته عزة - كما يغشى عند المنافسة فاشتعلت قواه حمية - وكان ذلك أعظم وأجسم مما يكون عند غضب أو طرب - وكيف لا وذلك بصريح الحق ومبدأ القوى وأصل الرحمة
أقول المنة القوة والاسترسال الانبعاث - والانتشاء السكر وعن اعترض - والهزة النشاط والارتياح - وأولت له أي أعطت يقال أوليته معروفا - والسلاطة القهر - واعلم أن مبدأ القوى البدنية هو الروح الحيواني - فالعوارض المقتضية لانقباض الروح وحركته إلى داخل - كالحزن والخوف يقتضي انحطاط القوة - والمقتضية لحركته إلى خارج كالغضب والمنافسة - أو لانبساطه انبساطا غير مفرط - كالفرح المطرب والانتشاء المعتدل يقتضي ازديادها - وإنما قيد الانتشاء بالاعتدال - لأن السكر المفرط يوهن القوة لإضراره بالدماغ - والأرواح الدماغية - ثم لما كان فرح العارف ببهجة الحق أعظم من فرح غيره بغيرها - وكانت الحالة التي تعرض له وتحركه اعتزازا بالحق - أو حمية إلهية أشد مما يكون لغيره - كان اقتداره على حركة لا يقدر غيره عليها أمرا ممكنا - ومن ذلك يتعين معنى الكلام - المنسوب إلى علي رضي الله عنه -
127 : والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية - ولكن قلعتها بقوة ربانية
( 7 ) تنبيه [ في ادعاء خاصة أخرى للعارف ]
وإذا بلغك أن عارفا حدث عن غيب - فأصاب متقدما ببشرى أو نذير فصدق - ولا يتعسرن عليك الإيمان به - فإن لذلك في مذاهب الطبيعة أسبابا معلومة
أقول هذه خاصية أخرى - أشرف من المذكورتين ادعاها في هذا الفصل - وسيبينها