أقول الشيخ قد لاحظ في هذا الفصل - عبارة الشيخ الفاضل أبي نصر الفارابي فإنه قال في المختصر الموسوم بعيون المسائل بهذه العبارة - 120 حكمة الباري تعالى في الغاية - لأنه خلق الأصول - وأظهر منها الأمزجة المختلفة - وخص كل مزاج بنوع من الأنواع - وجعل كل مزاج كان أبعد عن الاعتدال - سبب كل نوع كان أبعد عن الكمال - وجعل النوع الأقرب من الاعتدال مزاج البشر - حتى يصلح لقبول النفس الناطقة - فالأصول الأسطقصات الأربعة - وإخراج الأمزجة عن الاعتدال - هو مزاج أقرب المعادن إلى العناصر - وإنما قال أقربها من الاعتدال الممكن - لأن الاعتدال الحقيقي عنده - ليس بموجود وفي قوله لتستوكره - استعارة لطيفة منبهة على تجريد النفس - إذ جعل نسبتها إلى المزاج نسبة الطائر إلى الوكرة - واعلم أن انكسار تضاد الكيفيات - واستقرارها على كيفية متوسطة وحدانية - نسبة ما لها إلى مبدئها الواحدو بسببها تستحق لأن تفيض عليها صورة - أو نفسا تحفظها فكلما كان الانكسار أتم - كانت النسبة أكمل - والنفس الفائضة بمبدئها أشبه - واعترض الفاضل الشارح على قول الشيخ وأعد كل مزاج لنوع بأن كل مزاج - إنما يستعد لقبول صورة لذاته - لا بجعل غيره - واستشهد بقوله في النمط الخامس - أن وجود المحدث بالفاعل - وكونه مسبوقا بالعدم ليس بفعل الفاعل - بل لذاته وأقول موجد الشيء هو الموجد لصفاته الذاتية - فإن فاعل السواد - هو الذي فعله لونا - وأما قولهم تلك الصفات له لذاته لا بفعل فاعل - فليس معناه أنها ليست بفعل فاعل الشيء - بل إنها إنما صدرت عن فاعل الشيء بتوسط ذات الشيء - وليست بفعل فاعل مباين لهما - فإن بعض الصفات محتاجة معهما إلى غيرهما - واعترض أيضا على قوله - وأقربها من الاعتدال [ 1 ] الممكن مزاج الإنسان -
هامش
[ 1 ] قوله « واعترض أيضا على قوله وأقربها من الاعتدال » قال الامام : كلام الشيخ مشعر بأن المزاج كلما كان أعدل كانت الصورة الفائضة عليه أكمل ، وقد ثبت في علم الطب أن أعدل الأعضاء جلد الأصابع ، وأخرجها من الاعتدال القلب فوجب أن يكون تعلق النفس بالجلد لا بالقلب .
أجاب : بان الشيخ قال : تعلق النفس الانسانية باعدل الأمزجة ، وكون جلد الأصابع أعدل الأعضاء لا يقتضى أن يكون أعدل الأمزجة ، بل أعدل الأمزجة مزاج الأرواح التي يقرب الاجزاء -