الإمام عليه السلام يقول في مستهل حديثه :
« وَأَرْدَيْتَ « 1 » جِيلًا « 2 » مِنَ النَّاسِ كَثِيراً ؛ خَدَعْتَهُمْ
بِغَيِّكَ ، وَأَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجِ بَحْرِكَ ، تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ ، وَتَتَلاطَمُ بِهِمُ الشُّبُهَاتُ » .
وهذه إشارة إلى أنّ معاوية يتحمل مسؤوليّة انحراف جمهور غفير من المسلمين الذين خدعهم بمكره وغيّه وسوف يقف يوم القيامة ليجيب عن ذلك .
وعبارة
« مَوْجِ بَحْرِكَ »
تعبير لطيف عن الحوادث والأزمات التي تشبّه عادة بأمواج البحر ، وهي الحوادث الصعبة التي يصعب مواجهتها والتصدي لها ، لأنّ الأمواج العاتية كالجبال في البحر تقذف بالبشر من هنا إلى هناك كالريشة في مهبّ الريح ، وأحياناً تقتلعهم في مطاويها ودواماتها ويعيش الإنسان في تلك اللحظات الحرجة الظلمة والشدّة بحيث تسودّ الدنيا في عينيه .
والتعبير ب
« الظُّلُمَاتُ » وَ « الشُّبُهَاتُ »
إشارة إلى أعمال معاوية من قبيل طرح مسألة قتل عثمان والدفاع عنه ، ورفع قميصه الدامي وإثارة الناس ضد الإمام عليه السلام والخليفة بالحقّ لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وكذلك ( والعياذ باللَّه ) الأمر بلعن الإمام علي عليه السلام على المنابر وسبّه وشتمه في المحافل ، فهل هناك ظلمة أشدّ من هذا ، أو شبّهة أوحش من هذه ؟
ثمّ يشير الإمام عليه السلام إلى نتيجة هذه الأساليب الماكرة والشبهات المضللة ويقول :
« فَجَازُوا « 3 » عَنْ وِجْهَتِهِمْ ، وَنَكَصُوا « 4 » عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، وَتَوَلّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ ، وَعَوَّلُوا « 5 »
عَلَى أَحْسَابِهِمْ « 6 » »
، أي أنّ هذه الأمور أدّت إلى عودة بعض الناس عن الحقّ إلى
هامش
( 1 ) . « أرديت » من مادة « إرداء » بمعنى إهلاك .
( 2 ) . « جِيل » الجماعة والصنف والنسل .
( 3 ) . « جاوزوا » من مادة « جواز » وتعني العبور والعدول .
( 4 ) . « نَكَصُوا » من مادة « نكوص » ، بمعنى العودة والرجوع .
( 5 ) . « عَوَّلُوا » من مادة « تعويل » وهي الاعتماد والاتكال .
( 6 ) . « أَحْسَاب » جمع « حَسَب » على وزن « نَسَب » تأتي أحياناً بمعنى الفضائل التي تنسب للآباء والأجداد ويفتخربها الإنسان ، وأحياناً أخرى تعني الصفات البارزة والملكات المشهودة للإنسان نفسه كالشجاعة والسخاء والعلم والمعرفة .