وفي التوصية الثانية يقول عليه السلام :
« وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ » .
وهذه إشارة إلى أنّ أحد عوامل الفساد في السلطة القضائيّة ، قلّة الحقوق الماليّة للقضاة والموظفين في الجهاز القضائي ، فينبغي أن يضع الوالي لهم مخصصات ورواتب شهرية كبيرة ليتنسى لهمالعيش بشكل معقول وشريف ولايفكروا بعد ذلك بقبولالرشوة .
يقال إنّ في بعض البلدان في هذا العصر يصدرون صكاً أبيضاً ويسلّموه للقضاة ليكتبوا فيه أي رقم يريدونه لتمرير المسألة لصالحهم .
وهذا الكلام ، سواءً كان صحيحاً أو مبالغ فيه أو كان كاذباً يعكس لنا هذه الحقيقة ، وهي أنّ القاضي يجب أن يكون له نصيب من بيت المال يتناسب مع حياته ومعيشته .
والجدير بالذكر أنّ الإمام عليه السلام بالنسبة لمسألة تأمين الحقوق الماليّة لضمان معيشة محترمة ، سواءً بالنسبة للقضاة أم بالنسبة لقادة الجيش كما تقدّم سابقاً ، يبرز الإمام عليه السلام حساسية شديدة تجاه هذه المسألة ، فصحيح أنّ جميع الموظفين والمسؤولين وحتى أفراد الجهاز القضائي وأفراد الجيش الإسلامي يجب أن تتوفر لهم معيشة كافية ، ولكنّ تأكيد الإمام عليه السلام على هاتين الفئتين بالخصوص يشير إلى لزوم الاهتمام أكثر بأعمال هاتين الفئتين من أجل حفظ الحدود والثغور وكذلك من أجل حفظ حقوق الناس .
ثمّ يتطرق الإمام عليه السلام للتوصية الثالثة ويقول :
« وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ « 1 » الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكِ » .
وهذه النقطة مهمّة ، وهي أنّ القاضي يجب أن يعيش الحرية الكاملة في إنشاء الحكم العادل ولا ينبغي أن يخضع تحت أية ضغوط اجتماعيّة وفئويّة ، وهذا لا يتسنى إلّاإذا كان القاضي أقرب الناس إلى الوالي والقائد ، لأنّه لو كان هناك أفراد
هامش
( 1 ) . « اغْتِيال » في الأصل بمعنى إغفال الشخص الإضرار به ، وأحياناً تطلق على القتل غدراً ، وفي العبارة أعلاه وردت بالمعنى الأوّل .