وَيُطِيعُونَ الَمخْلُوقَ فِي مَعْصِيةِ الْخَالِقِ ، وَيَحْتَلِبُونَ « 1 » الدُّنْيَا دَرَّهَا « 2 » بِالدِّينِ ، وَيَشْتَرُونَ
عَاجِلَهَا بِآجِلِ الْأَبْرَارِ الْمُتَّقِينَ » .
وبديهي أنّ الأشخاص الذين يعيشون العمي في القلب ، والصمم في الأسماع لا ينتبهون إلى هذه الأمور ومن أجل التمويه على الناس يخلطون الحقّ بالباطل ، ومن أجل كسب رضا المخلوق ونيل الجوائز والعطايا لا يطيعون أمر اللَّه ولا يمتثلون لتعاليمه ، ومن أجل تحصيل متاع الدنيا يبيعون رأسمالهم الديني ، هؤلاء الذين بلغ العمش في بصيرتهم إلى درجة أنّهم لا يرون سوى دنياهم الفانيّة والملذات الرخيصة ويغفلون عن الآخرة وما فيها من المواهب المعنويّة والماديّة العظيمة والأبديّة ، ولهذا السبب لا يعيرون أهمّية للآخرة ويبيعونها بأبخس الأثمان من أمور الدنيا .
وبديهي أنّ معاوية لا يختار أبداً الأشخاص الذين يملكون بعض الإيمان ولهم سابقة في الإسلام لهذه لأعمال الشنيعة ، بل يبحث عن الأشخاص الذين لا يملكون ذرة من الإيمان أو العقل أو الوجدان ، فهم عبيد وغلمان وضعوا أرواحهم فوق أكفّهم سمعاً وطاعة لأوامر السلطان ، وهذا هو منهج جميع حكّام الجور وقوى الاستكبار والهيمنة .
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام أشار إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّ كلّ إنسان يعمل الخير أو يقترف المنكر فسوف يثاب ويعاقب حسب عمله ، يقول :
« وَلَنْ يَفُوزَ بِالْخَيْرِ إِلَّا عَامِلُهُ ، وَلَا يُجْزَى جَزَاءَ الشَّرِّ إِلَّا فَاعِلُهُ » .
وهذا المفهوم مقتبس من الآيات الشريفة قال تعالى : « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه » « 3 » .
وهو إشارة إلى أنّ هؤلاء عندما يتحركون في خط خلق الفتنة وإيجاد المفسدة
هامش
( 1 ) . « يَحْتَلِبُونَ » من مادة « حَلَبَ » على وزن « حَمَدَ » بمعنى اخراج اللبن من الضرع .
( 2 ) . « دَرَّ » بمعنى اللبن أو اللبن الكثير ، وبمعناها المصدري تعني هطول المطر أو السوائل الأخرى .
( 3 ) . سورة الزلزلة ، الآيتان 7 و 8 .