غموضها ، حيث قال : « قد أشكل عليَّ أمر هذا الكتاب ، فإنّ أنا كذّبت النقل وقلتُ :
هذا الكلام موضوع على أمير المؤمنين عليه السلام ، خالفت الرواة ، فإنّهم قد أطبقوا على رواية هذا الكلام عنه ، وقد ذكر في أكثر كتب السيرة : إنّ صرفته إلى عبداللَّه بن عباس صدني عنه ما أعلمه من ملازمته إطاعة أمير المؤمنين عليه السلام في حياته وبعد وفاته ، وإن صرفته إلى غيره لم أعلم إلى مَن أصرفه من أهل أمير المؤمنين عليه السلام ، والكلام يشعر بأنّ الرجل المخاطب من أهله وبني عمّه ، فأنا في هذا الموضع من المتوفقين » « 1 » .
ولكن الطائفة الأولى لم تقبل بهذا الكلام وذهبوا إلى أنّ المخاطب لهذه الرسالة للإمام عليه السلام هو ابن عباس مع حفظ جلالة قدره ومقامه .
ومن جملة هؤلاء « ابن ميثم » يقول في شرحه لنهج البلاغة : « وإعلم أنّ هذين القولين لا مستند لهما ، أمّا الأوّل : فهو مجرّد استبعاد أن يفعل ابن عباس ما نسب إليه ، ومعلوم أنّ ابن عباس لم يكن معصوماً وعلي عليه السلام لم يكن يراقب في الحقّ أحداً ولو كان أعزّ أولاده كما تمثّل بالحسن والحسين عليهما السلام في ذلك ، فكيف بابن عمّه ، بل يجب أن تكون الغلظة في الأقرباء في هذا الأمر أشدّ .
ثمّ إنّ غلظته عليه وعتابه له لا يوجب مفارقته إيّاه ، لأنّه عليه السلام كان إذا فعل أحد من أصحابه ما يستحق به المؤاخذة أخذه به سواء كان عزيزاً أو ذليلًا قريباً منه أو بعيداً ، فإذا استوفى حقّ اللَّه منه أو تاب إليه ممّا فعل عاد في حقّه إلى ما كان عليه كما قال : « القوي عندي ذليل حتى آخذ الحقّ منه والذليل عندي عزيز حتى آخذ الحقّ له » ، فلا يلزم إذن غلظته على ابن عباس ومقابلته إيّاه بما يكره مفارقة له وشقاقه على ما بينهما من المحبّة الوكيدة والقرابة .
وأمّا الثاني : فإنّ عبيداللَّه كان عاملًا له عليه السلام في اليمن ولم ينقل عنه مثل ذلك » « 2 » .
أمّا من ذهب إلى القول الثاني فإنّه يرى أنّ عظمة مقام ابن عباس لا ينسجم أبداً
هامش
( 1 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 16 ، ص 172 .
( 2 ) . شرح نهج البلاغة ، لابن ميثم ، ج 5 ، ص 90 .