تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
والنصّ ، لأنّ عقائد المخاطب وأفكاره وتوجّهاته مؤثّرة كثيراً في كيفية بيان المتكلّم ، ففي الخطبة الشقشقية نرى أنّ المخاطب لها عموم الناس ، ولكن المخاطب لهذه الرسالة هو معاوية نفسه . كيف يمكن للإمام عليه السلام أن يستدلّ في هذه الرسالة على حقّانيته في مقابل معاوية بالنصّ ، وهذا هو الشيء الذي يخالفه معاوية من الأساس ، لابدّ من الاستفادة من دليل يعجز من إنكاره ، ويجد نفسه مضطرّاً للتسليم أمامه ، وليس ذلك سوى مسألة الشورى ، أي الشورى التي انتخب على أساسها الخلفاء السابقون الذين نصبوا معاوية في زمن خلافتهم على الشام . وهذا هو الشيء الذي يعبّر عنه في علم المنطق بفنّ الجدل ، وهو بأن يتمسّك المستدلّ بمسلّمات الخصم ويستدلّ بها ضدّه وإن كان لا يعتقد بها أو ليست مسلّمة لديه . وهذا من قبيل أن نستدّل بالتوراة والإنجيل الحاليين في مقابل اليهود والنصارى ، وأنّه طبقاً لما ورد في الآية الفلانية في السفر الفلاني من كتابكم المقدّس فإنّ العقيدة التي تعتقدون بها في هذا الشأن باطلة ، مثلًا نقول : أنتم أيها المسيحيون تعتقدون بأنّ عيسى عليه السلام صلب ومات ودفن ، وبعد عدّة أيّام بعث من قبره ورفع إلى السماء ، وطبقاً لهذه العقيدة يجب القبول بمسألة رجعة الإنسان إلى هذه الحياة الدنيا رغم أننا لا نعتقد بمقتل المسيح عليه السلام . وقد ورد في القرآن الكريم مثل هذا النمط من الاستدلال ، من قبيل ما ورد في قصة إبراهيم عندما وقف أمام عبدة النجوم والقمر والشمس وقال لهم : « هذا رَبِّي » أو « هذا رَبِّي هذا أَكْبَر » « 1 » ، فقد وافقهم ظاهراً على ما يعتقدونه وما هو من المسلّمات لديهم ، ولكن عندما أفلت هذه الكواكب استدلّ إبراهيم عليه السلام من أفولها وغروبها على أنّها حادثة ومخلوقة ، وبذلك أبطل حجّتهم وأجهض مزاعمهم . ومن العجيب أنّ ابن أبيالحديد بالرغم من أنّه سلك مسلك الاعتدل في الكثير
هامش
( 1 ) . سورة الأنعام ، الآيتان 77 و 78 .
نفحات الولاية — صفحة 71 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي