وكما أسلفنا قبل قليل أنّ المراد من « دار الهجرة » المدينة المنورة التي كانت معروفة بهذا الاسم ، وقد عاشت أكبر هجرة في تاريخ الإسلام وهي هجرة المسلمين والنبيّ من مكة إلى المدينة ، وأمّا ما ذكره بعضهم من احتمال أن يكون المراد الكوفة أو كلّ بلاد الإسلام فهو احتمال بعيد جدّاً .
أمّا تشبيه المدينة بالقدر الموضوع على المرجل وفي حال الغليان فهو بسبب ما عاشته المدينة في تلك الظروف من حوادث عصيبة وتداعيات خطيرة في أواخر خلافة عثمان وبعد مقتله .
والتعبير بكلمة « قامت الفتنة على القطب » إشارة إلى فتنة طلحة والزبير وعائشة ، الذين خططوا لعزل الإمام عليّ عليه السلام عن مركز الخلافة أو تجزئة بلاد الإسلام بحيث تكون المدينة والحجاز بيد الإمام عليّ عليه السلام ، ويكون العراق والكوفة والبصرة بيد طلحة والزبير وعائشة ، والشام من حصة معاوية ، وهذه هي الفتنة العظيمة التي حذّر منها الإمام عليّ عليه السلام في هذه الرسالة .
إنّ هذه الرسالة القصيرة الغزيرة المعنى أثّرت أثرها في أهل الكوفة فخرج منها أكثر من اثنيعشر ألف رجل لنصرة الإمام عليه السلام في معركة الجمل وتوجّهوا إلى البصرة ، وكان لذلك دور مؤثر في انتصار جيش الحقّ على المنافقين والناكثين في معركة الجمل .
واللافت أنّ الطبري ينقل في تاريخه عن أحد الرواة ويدعى أبو الطفيل قال : قال عليّ عليه السلام : « يأتيكم من الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجل ، فقعدت على نجفة ذيقار وأحصيتهم فما زادوا رجلًا ولا نقصوا رجلًا » « 1 » .
تأمّل : مصير الناكثين
إنّ كلّ مؤرخ ومحقّق ، بل كلّ إنسان عارف بوقائع معركة الجمل ، يعلم أنّ الإمام
هامش
( 1 ) . تاريخ الطبري ، ج 3 ، ص 513 .