هؤلاء لا يستطيعون إنكار الحقائق التاريخية المسلّمة من جهة ، ومن جهة أخرى لا يستطيعون التخلّي عن مقولة تنزيه الصحابة ، ولذلك يتمسّكون بمنطق غريب .
فتارة يقولون : إنّنا لا ينبغي لنا أن نتحدّث عن الصحابة لأنّه « تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ » « 1 » بهذه الطريقة يوصدون نوافذ الفهم والإدراك على عقولهم ، فهل يستطيع أيّ إنسان عاقل أن يغضّ بصره أمام الحقائق التاريخية التي تتضمّن بيان الكثير من المسائل التي نحتاجها في عالمنا المعاصر ؟
وتارة أخرى يقولون : إنّ الصحابة مجتهدون كلّهم ، وإنّ كلّ فرد منهم قد عمل باجتهاده ، فالإمام عليّ عليه السلام عمل باجتهاده وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية عملوا أيضاً باجتهادهم ولذلك هم معذورون أمام اللَّه تعالى .
هؤلاء غفلوا عن أنّ الاجتهاد يتعلق بالمسائل النظرية التي تقع مورد الشك والتردد ، وأمّا المسائل البديهية والمسلّمة فلا مجال للاجتهاد فيها ، فهل يستطيع الشخص أن يقلب باجتهاده الليل إلى نهار أو النهار إلى ليل ؟ إنّ مسألة حرب الجمل أو صفّين والتي تعتبر ثورة ضدّ الحكومة الإسلاميّة المقبولة لدى المسلمين ، وسفك دماء المسلمين بدوافع دنيوية ونوازع نفسانية وحبّ المقام والمنصب ، لا مجال للشك والتردد في حرمته ، فلا يقال حينئذٍ أنّ مثل هذا الشخص مجتهد في ارتكاب هذا الفعل الشنيع ، وإن أخطأ في اجتهاده فهو معذور ومغفور !
لماذا لا يتخلّى هؤلاء الإخوة عن التعصّب ويعترفوا بأنّ صحابة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله حالهم حال سائر الناس من وجود الصالح والطالح فيهم ؟
لقد تحدّث القرآن الكريم في سورة البقرة ، التوبة ، الأحزاب ، المنافقين وفي موارد عديدة ، عن المنافقين وذمّهم ، فمن هؤلاء المنافقون ؟ إنّ تعريف الصحابة المذكور ينطبق عليهم بشكل كامل ، فلماذا يقول الإنسان شعراً يعجز عن الإتيان بالقافية كما يقول المثل ؟
هامش
( 1 ) . سورة البقرة ، الآية 134 .