تُجْهِزُوا « 1 » عَلَى جَرِيحٍ » .
إنّ هذه التوصيات الثلاثة تتّسم بالطابع الأخلاقي بشكل كامل لأنّ الغرض من الحرب هو كسر مقاومة العدو والتصدّي لحركته ، لا مجرّد الانتقام ، فالشخص الذي فرّ من الميدان وترك القتال فلا معنى لقتله ، وكذلك الشخص العاجز الذي عجز عن المقاومة فإنّ الاجهاز عليه وقتله يتنافى مع المثل الإنسانية والقيم الأخلاقية ، كالشخص الذي فقد سلاحه في المعركة أو عجز عن القتال وحمل السلاح ضدّ الجيش الإسلامي ، فلا يمثّل خطراً على أفراد الجيش ، ومن هذا القبيل الجريح الذي سقط ولم تبق له قدرة على المقاومة والقتال ، فالإجهاز على مثل هؤلاء يتقاطع مع المبادئ الإنسانية .
ويثير العلّامة التستري في شرح نهجالبلاغة هذا السؤال هنا ، وهو أنّه يستفاد من بعض الروايات كالرواية التي ينقلها الكليني في ( الجزء الخامس من الكافي ) أنّ الإمام عليّ عليه السلام أصدر مثل هذا الأمر في معركة الجمل وأصدر أمراً بخلافه في معركة صفّين وأذن بقتل الهاربين والمجروحين .
ولكن ورد في رواية أخرى الجواب عن هذا السؤال ، فالإمام الصادق عليه السلام يقول :
« لَيْسَ لِأَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَتْبَعُوا مُدْبِراً وَلَا يَقْتُلُوا أَسِيراً وَلَا يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ وَهَذَا إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ أَحَدٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا ، فَإِذَا كَانَ لَهُمْ فِئَةٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا فَإِنَّ أَسِيرَهُمْ يُقْتَلُ وَمُدْبِرَهُمْ يُتْبَعُ وَجَرِيحَهُمْ يُجْهَزُ عَلَيْهِ » « 2 » .
وخلاصة الكلام أنّ رعاية هذه المبادئ الإنسانية والقيم الأخلاقية في الحرب ، ترتبط في موارد يكون جيش العدو قد مُنيّ بالهزيمة وتبعثرت قواه وقدراته القتالية
هامش
( 1 ) . « لا تُجْهِزُوا » من « الإجهاز » بمعنى التسريع وقتل المجروحين وإنهاء حياتهم ، وهذا يشبه ما يطلق عليه حالياً برصاصة الرحمة .
( 2 ) . الكافي ، ج 5 ، ص 33 ، ح 2 .