تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
هوى النفس والتي تؤدي إلى نوع من الازدواجية والارباك في المعيشة . ثم ذكره عليه السلام بأنّك تظلم أهل بيتك فضلًا عن نفسك دون حجة أو دليل ، والسبب وراء كلّ هذا التقريع المكرر رفض الإسلام للرهبنة ونسيان الدنيا بهذا الشكل والاقبال على العبادة ولا يرى ذلك سوى انحراف عن جادة الصواب كما سيرد تفصيل ذلك . ثم قال : « أَتَرَى اللَّه أَحَلَّ لَك الطَّيِّبَاتِ ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا ! أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّه مِنْ ذلِك ! » . هذا الكلام في الواقع إشارة إلى دليل لطيف وهو : أنّك اعتمدت طريقة ظاناً استنادها لأمر اللَّه ، في حين أحلّ القرآن صراحة الطيبات والثياب الطاهرة والأطعمة للجميع « قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّه الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ » « 1 » . الجملة « أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّه مِنْ ذلِك ! » ربّما إشارة إلى أنّ هؤلاء الأفراد الذين يعيشون حياة خاصة ويعتزلون المجتمع الإسلامي ، يرون أنّهم مميزون للغاية ويظنون أنّ الاعتزال والإرتياض يميزهم عن الآخرين وكأنّ اللَّه شرع منهاجاً خاصاً ، إنّك أهون على اللَّه . أراد عاصم أن يبرر وضعه : « قال : يا أَميرالمؤمنين ، هذا أَنْتَ في خُشُونَةِ مَلْبَسِك وجُشُوبَةِ « 2 » مأكَلِك ! » . فردّ عليه الإمام عليه السلام قائلًا : « وَيْحَك ، إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ ، إِنَّ اللَّه تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ ، كَيْلَا يَتَبَيَّغَ « 3 » بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ ! » . وعلى ضوء هذا المنطق فإنّ عامة الناس أحرار في التمتع بلذات الحياة باعتدال
هامش
( 1 ) . سورة الأعراف ، الآية 32 . ( 2 ) . « جشوبة » الخشونة من مادة « جشب » على وزن « جسب » ويقال للخبز دون غيره « جشب » . ( 3 ) . « يتبيّغ » من مادة « بيغ » على وزن « بيع » يهيج ، ويأتي أحياناً بمعنى الكثرة والمعنى الأوّل هو المراد في العبارة .