الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويهجر إرشاد الجاهل وتنبيه العاقل .
ثم أشار عليه السلام إلى صفتين هما في الواقع نتيجة للصفات الثلاث السابقة فقال :
« أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ ، مُصْطَلِحُونَ « 1 » عَلَى الْادْهَانِ « 2 » » .
لا شك في أنّ هناك معاصٍ في كلّ مجتمع ومداهنة ومسايرة ، إلّاأنّ البؤس والشقاء في حركة عامة نحو الذنب والمعصية وبصورة مستمرة ودائمية ، كما أنّ المصيبة والتعاسة في اصطفاف المداهنين واتحادهم على هذا الأمر .
ثم قال عليه السلام في الصفة السادسة والسابعة : « فَتَاهُمْ عَارِمٌ « 3 » ، وَشَائِبُهُمْ « 4 » آثِمٌ » .
من البديهي في الوسط الذي يصمت فيه أصحاب الحق ويغيب فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تتلوث الأوساط الأسرية فينشأ الشبّان في هذه الأوساط سيئي الخلق وفاقدي الأدب ، كما أنّه من الواضح أنّ هؤلاء الشبّان حين يشيخون لا يفارقون الاعتياد على المعصية ويغفلون عن أنّ عمرهم اقترب من نهايته وسيحل أجلهم فيغطون في بحر المعاصي بسبب تلك الغفلة .
وقال في الصفة الثامنة والتاسعة : « وَعَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ ، وَقَارِئُهُمْ مُمَاذِقٌ « 5 » » .
نعم ، فعلماء ذلك الوسط الذين أقبلوا على الدنيا إنّما يرون النفاق سبيلًا لنيلها ، كما ورد في الخطبة 194 : « وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وَقَوْلُهُمْ شِفَاءٌ وَفِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَيَاءُ » .
وردت المفردة « قارئهم » في أغلب نسخ « نهج البلاغة » وهذا ما رجحه أغلب الشرّاح كونه يناسب العبارة السابقة ، فالكلام هناك عن العلماء وهنا عن قراء القرآن والعابدين . بينما وردت في بعض النسخ ( قارن ) من مادة قرين بمعنى الصديق
هامش
( 1 ) . « مصطلحون » اتفاق الأفراد على شيء ، من مادة « صلح » .
( 2 ) . « إدهان » تعني في الأصل التدهين . ثم استعملت في الخداع والمساومة على أمر مرفوض .
( 3 ) . « عارم » سيىء الخلق من « العرامة » الخشونة وسوء الخلق والسيول الجارفة والموانع التي تقام لصدها في الوديان .
( 4 ) . « شائب » الكهل والعجوز من مادة « شيب » على وزن « غيب » الكهولة .
( 5 ) . « مماذق » المرائي من مادة « مذق » على وزن « حذف » مزج اللبن بالماء .