لا ينافي هذا التعبير الاختيار في الأعمال لأنّ الإنسان إن انطلق مختاراً إلى اللَّه أتته الإمدادات الغيبية والعنايات الإلهيّة ، وبغض النظر عن ذلك فإنّ اللَّه أودع البشريّة منذ البداية أرضية الصلاح والسعادة لتطوي بها مسيرة التكامل .
ثم أشار عليه السلام إلى صفتين من صفات أولئك العلماء الربانيين فقال : « فَعَلَيْهِ يَتَحَابُّونَ ، وَبِهِ يَتَوَاصَلُونَ » .
نعم ! حبّهم لأحدهم الآخر للَّهوإرتباطهم ناشىء من علاقتهم المشتركة بالكمالات ، أمّا المنافع المادية والصلات الحيوانية والاشتراك في المقامات الدنيوية ليست سبباً قط في ارتباطهم وحبّهم لبعضهم البعض .
ثم بيّن في ختام هذه الفقرة بتشبيه رائع كيفية انتخاب هذه الفئة من بين سائر الناس وقال : « فَكَانُوا كَتَفَاضُلِ الْبَذْرِ يُنْتَقَى « 1 » ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُلْقَى ، قَدْ مَيَّزَهُ التَّخْلِيصُ ، وَهَذَّبَهُ التَّمْحِيصُ « 2 » » .
أجل ! هؤلاء بذور عالم الخليقة المنتقى الذين اختارهم خالق عالم الوجود للتهذيب والكمال ليجعلهم بهيئة شجرة طيبة أُكلها دائم بتوفيق اللَّه ومدده الغيبي .
وزبدة الكلام أنّ هؤلاء الأعلام الذين يتصفون بهذه الصفات ويطوون مراحل التكامل في ظل عناية اللَّه ويزدادون كلّ يوم قرباً من اللَّه لم يبلغوا هذا المقام عبثاً ، فقد جدوا واجتهدوا في إصلاح أنفسهم وجلاء قلوبهم من صدأ الأهواء وأخلصوا نيّاتهم واجتازوا الامتحان الإلهي الشاق فبلغوا ذلك المقام ، وتلك عاقبة كلّ من سلك طريقهم .
* * *
هامش
( 1 ) . « ينتقى » من « النقاوة » بمعنى الطاهر والخالص ، وتعني الاصطفاء والاختيار حين تأتي في باب افتعال .
( 2 ) . « التمحيص » التطهير والإخلاص وورد بهذا المعنى أيضاً من مادة « محص » على وزن « فحص » ، وإن تضمن التمحيص تأكيداً أكثر ولما كان الامتحان سبب التنقية والتطهير فقد وردت هذه المفردة بمعنى الامتحان .