وكل هذه الأمور تستند إلى كون علمه سبحانه وتعالى بجميع الأشياء علماً حضورياً فهو حاضر في كلّ مكان والكون برمته حاضر لديه ، فلا يخفى عليه شيء ولا يعزب عن علمه شيء .
وقد تمسك البعض بمثال فقال : لو كان في يدنا شيء ننظر إليه فهل يخفى علينا شيء منه ، وبالطبع فإنّ علم اللَّه لأعمق وأسمى من ذلك بالنسبة لجميع الكائنات .
وقال في مواصلته لكلامه ولإثبات شدّة الرقابة الإلهيّة على الإنسان :
« أَعْضَاؤُكُمْ شُهُودُهُ ، وجَوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ ، وضَمَائِرُكُمْ عُيُونُهُ ، وخَلَوَاتُكُمْ عِيَانُهُ » .
ولمفردة الأعضاء ( جمع عضو ) معنى عام يشمل الأعضاء التي بها يقوم الإنسان بأعماله ، مثل الأيدي والأرجل ، وكذلك الأعضاء التي يبدو ظاهرياً لا يقوم بها بعمل كالأضلاع والعظام ؛ أمّا الجوارح ( جمع جارحة ) واستناداً إلى مادتها اللغويّة جرح التي تعني الاكتساب فهي تقتصر على الإشارة إلى تلك الأعضاء التي يقوم بواسطتها الإنسان ببعض الأعمال ويحسن بها أو يسيىء بها ، وعليه فذكر الجوارح بعد الأعضاء من قبيل ذكر الخاص بعد العام .
و « ضمائر » جمع « ضمير » بمعنى باطن الإنسان وتشير هنا إلى وجدان الإنسان الذي يمثل القاضي الباطني .
و « خلوات » :
جمع « خلوة » تعني الموضع الذي لا يتواجد فيه عامة الناس ، ولما كانت أغلب الذنوب إنّما ترتكب في الخلوات ، فقد ركزت عليها العبارة السابقة .
وذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ ( خلوات ) تعني ما يرتكب من أعمال في الخلوة وستكون من قبيل حذف المضاف ، على كلّ حال فإنّ هدف الإمام عليه السلام من بيان هذه العبارات الأربع الأخيرة أن يقول ليس لعلم اللَّه إحاطة بجميع أعمال الإنسان فحسب ، بل أعضاء الإنسان وجوارحه ووجدانه شهوده وجنوده وعيونه ، وإنّ كلّ بقعة من مكان حتى الخلوات لتشهد على أعمال الإنسان .
* * *
نفحات الولاية — صفحة 572
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٧٢