وأسرجة الليل ووضوح الطرق الرئيسيّة لتزايد احتمال ضلال سالكي الطريق .
فقد شبه الإمام عليه السلام حياة الناس في الجاهليّة بالطرق العشوائيّة التي لم تنصب عليها أية علامة وسراج يضيىء الدرب ، وليس لذلك من نتيجة سوى الضلال المبين للناس والذي أشار إليه القرآن الكريم بقوله : « وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِى ضَلَال مُبِين » « 1 » .
ثم واصل عليه السلام كلامه فخاطب الجميع قائلًا :
« أُوصِيكُمْ ، عِبَادَاللَّهِ ، بِتَقْوَى اللَّهِ ، وأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا ، فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوص ، « 2 » ومَحَلَّةُ تَنْغِيص ، سَاكِنُهَا ظَاعِنٌ ، وقَاطِنُهَا بَائِنٌ » .
وتشير هذه العبارات الأربع جميعاً إلى تقلب أحوال الدنيا وعدم استقرارها ، مع اقترانها بالألم والمعاناة ، والعجيب مع إتضاح دلالات تقلبها وتصرم أحوالها وكثرة خطوبها ومحنها في جميع مواضعها إلّاأنّ هنالك طائفة من الناس تراها خالدة من الناحية العمليّة وتسعى إليها بكلّ ما أوتيت من قوّة .
وعلى هذا الأساس تطرق الإمام عليه السلام إلى بيان مثال بليغ ومثير بشأن هذه الدنيا الغرور بحيث لا يمكن الإتيان بصورة أفضل منه فقال :
« تَمِيدُ بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ السَّفِينَةِ تَقْصِفُهَا « 3 » الْعَوَاصِفُ فِي لُجَجِ « 4 » الْبِحَارِ ، فَمِنْهُمُ الْغَرِقُ الْوَبِقُ « 5 » ، ومِنْهُمُ النَّاجِي عَلَى
بُطُونِ الأَمْوَاجِ ، تَحْفِزُهُ « 6 » الرِّيَاحُ بِأَذْيَالِها ، وتَحْمِلُهُ عَلَى أَهْوَالِها ، فَما غَرِقَ مِنْهَا فَلَيْسَ
بِمُسْتَدْرَك ، ومَا نَجَا مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَك ! » .
وتشبيه الدنيا بالبحر وسكنتها بركاب السفينة وإبان العواصف الشديدة التي لا تفضي سوى إلى الغرق قد ورد قبيل هذه الخطبة للإمام عليه السلام في مواعظ لقمان الحكيم ، فقد ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام في ما روي عن لقمان الحكيم أنّه وعظ ابنه
هامش
( 1 ) . سورة الجمعة ، الآية 2 .
( 2 ) . « شخوص » بمعنى الظهور والطلوع أو الانتقال من محل إلى آخر وهذا هو المعنى المراد بهذه العبارة .
( 3 ) . « تقصفها » من مادة « قصف » على وزن « حذف » بمعنى الكسر .
( 4 ) . « لجج » جمع « لجّه » البحر العميق .
( 5 ) . « وبق » من مادة « وبق » على وزن « فقر » بمعنى الهالك صيغة « وبق » على وزن « خشن » له معنى الصفة .
( 6 ) . « تحفزه » من مادة « حفز » على وزن « لفظ » بمعنى الدفع قدماً والطرد .