حصيناً العدو فحسب ، بل تلعب دورها في عالم الاقتصاد والعلم والمعرفة فتؤدي إلى كلّ ذلك الرقي والتقدم والازدهار ، والحقّ لولا تلاقح قطرات علم العلماء طيلة التاريخ وفي المجتمعات البشريّة لما شهدنا ليوم كلّ هذا التقدم العلمي الهائل ولما كان التمدن يفوق مدنية العصور الحجرية .
وفإذا دبّ الاختلاف في صفوف المجتمعات البشريّة فلا تتوقف عجلة الرقي والتقدم فحسب ، بل تنعدم كلّ القدرات والقوى في اتون الاقتتال الداخلي والذي لا يفضي سوى إلى الدمار والخراب والتخلف .
وقد أكّد الإمام عليه السلام مراراً في هذه الخطبة الشريفة على هذا المعنى ، فأخذ بيد مخاطبيه إلى أعماق التاريخ البشري ليريهم عن كثب نتائج الاتحاد والفرقة .
من جانب آخر فقد ورد مثل هذا التأكيد في الآيات القرآنيّة والروايات الإسلاميّة ؛ ولكن ما تجدر الإشارة إليه أنّ الظفر بوحدة الصفوف لا يبدو بالأمر الهَيّن بل يحاط بالعديد من الصعوبات والعوائق ، ومنها التعصب والكبر والفخر وترجيح المصالح الذاتية الضيقة والقصيرة الأمد على المنافع العامّة والبعيدة الأمد ، وقد عدّها الإمام عليه السلام في هذه الخطبة من العقبات التي تعترض سبيل الوحدة .
وقد أكّد الإمام عليه السلام هذا المعنى في سائر خطب نهج البلاغة أيضاً ؛ ومن ذلك ما ورد في الخطبة 127 أنّه قال :
« وإيّاكُمْ والْفُرْقَةَ فَإنَّ الشّاذَّ مِنَ النّاسِ لِلشَّيْطانِ كَما أنّ الشّاذّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ » .
كما وردت إشارة رائعة إلى هذا المعنى في الخطبة 86 :
« ولا تَباغَضُوا فَإنّها الْحالِقَةُ » .
ونختتم هذا الكلام بالرسالة المهمّة التي صرح بها القرآن الكريم في قوله تعالى :
« وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ » « 1 » .
* * *
هامش
( 1 ) . سورة الأنفال ، الآية 46 .