وكُبَرَائِكُمْ ! الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ ، وتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ ، وأَلْقَوُا الْهَجِينَةَ « 1 » عَلَى
رَبِّهِمْ ، وجَاحَدُوا اللَّهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ ، مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ ، ومُغَالَبَةً لِالائِهِ « 2 » » .
فهذا الكلام في الواقع اقتباس من الآية القرآنيّة الشريفة التي يظهر فيها الناس ندمهم يوم القيامة على طاعتهم لكبرائهم وزعمائهم فيقولون : « رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَاْ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً » « 3 » .
وإننا كلّما تأمّلنا تاريخ البشريّة الماضي نرى أنّ أحد العناصر الرئيسيّة في الحروب والصراعات وإراقة الدماء كان يكمن في التكبر والعصبيات القبلية والقوميّة والتي ما زالت قائمة لحد الآن ، وهي أحد العوامل المهمّة في نشوب الحرب العالمية الأُولى والثانية التي حطمت دولًا من العالم وأودت بحياة الملايين من الناس ، والحال لو أمعن الإنسان النظر لأدرك أنّ أصله من التراب وأصله الآخر نطفة لا قيمة لها ونهايته جثة متعفنة ، فقد نهى الإسلام عن الافتخار بالآباء والمناصب والتمسك ببعض الألقاب التي تفرز الغرور والغفلة ، فقد جاء في الحديث النبوي الشريف :
« حُبُّ الرَّجُلِ دينُهُ ، ومُرُوَّتُهُ ، خُلْقُهُ ، وأصْلُهُ عَقْلُهُ » « 4 » .
فقد قاله النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله حين حاول البعض الاستخفاف بسلمان الفارسي حين سألوه عن نسبه ، فرد عليهم بأنّ نسبه عتقه من العبودية بواسطة النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله .
والعبارة :
« ألْقَوُا الْهَجينَةَ عَلى رَبِّهِمْ »
إشارة إلى أنّ هؤلاء رأوا أنّ نسبهم هو الأفضل ونسب الآخرين أدنى ، ثم نسبوا دناءة نسب الآخرين إلى اللَّه تعالى ، واعتقدوا أنّ اللَّه تعالى خلق خلقاً فاضلًا وكانوا هم من ذلك الخلق ، وخلق تعالى خلقاً أدنى هم الآخرون كما نسبوا لأنفسهم ما نالوا من النعم الإلهيّة على أنّها تستند
هامش
( 1 ) . « هجينة » بمعنى الفعلة القبيحة والمستهجنة من مادة هجونة .
( 2 ) . « آلاء » جمع « ألا » على وزن « جفا » أو إلا على وزن « فعل » بمعنى النعم وقيل بمعنى خصوص النعم المعنويّة خاصة حين تأتي مع مفردة النعمة ، ويقال : « النعم والآلاء » .
( 3 ) . سورة الأحزاب ، الآيتان 67 و 68 .
( 4 ) . بحار الأنوار ، ج 22 ، ص 381 ، ح 16 .