بالعظمة والكبرياء التي لا تليق إلّابذاته القدسيّة فقال :
« ألْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ والْكِبْرِيَاءَ ، واخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ ، وجَعَلَهُمَا حِمىً « 1 » وحَرَماً عَلَى غَيْرِهِ ،
واصْطَفَاهُمَا لِجَلَالِهِ . وجَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ » .
لا شك في أنّ العزّة والعظمة مختصة بالذات الإلهيّة المقدّسة ، ذلك لأنّ كلّ ما سواه كائنات ضعيفة وعاجزة أمامه ، إضافة إلى أنّ كلّ ما لديها منه ، متى ما شاء أفاضه عليها ومتى شاء سلبه منها .
والعبارات الخمس الواردة في هذه الخطبة من قبيل قوله عليه السلام : لبس العز والكبرياء والتي لا تليق بغيره وأنّهما صفتان مختصتان باللَّه تعالى ويعبر عنهما أحياناً بالحمى والحرم ( المنطقة المحظورة التي لا يحق للغير الدخول فيها ) كما يعبر عنها بأنّ اللَّه تعالى اختارهما لنفسه وخص باللعن من سلك سبيل التكبر والفخر ، كلّ هذه العبارات المختلفة تهدف إلى إيضاح حقيقة واحدة حيث تشير جميعها إلى أن لا سبيل لعباد اللَّه أمام الذات الإلهيّة القدسيّة سوى التواضع تجاهها وتجاه بعضهم البعض الآخر .
والواقع هو إنّ اللَّه سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى الكبر ولا بحاجة إلى أن يمدحه الآخرون به ، فذاته القدسيّة عظيمة من جميع الجهات ، ولكن لما كان الكبر والفخر لدى العباد مصدراً للبؤس والشقاء وظلم الناس لبعضهم البعض الآخر ، فقد ورد هذا التحذير فيالعبارات السابقة من هذا الأمر ودعي الجميع للبساطة والتواضع .
وعلى هذا الأساس أشار الإمام عليه السلام في مواصلته لكلامه إلى أول امتحان للتواضع حين خلق اللَّه آدم عليه السلام فقال :
« ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذلِكَ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ ، لِيَمِيزَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وهُوالْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ الْقُلُوبِ ، ومَحْجُوبَاتِ الْغُيُوبِ :
« إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّنْ طِين * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ
هامش
( 1 ) . « حمى » بمعنى المنطقة الممنوعة من مادة « حماية » بمعنى الممانعة والدفاع عن الشيء ومن هنا تطلقالحميّة على وزن « جزية على » المريض الذي يجتنب ما يضرّ به .