ثم خاض الإمام عليه السلام في شرح دقيق يهزّ الأعماق في تفاصيل لحظات الموت خلال 12 عبارة صغيرة وعميقة المعنى فقال :
« فَكَفَى واعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ ، حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبِينَ ، وأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ » .
نعم ! فقد حملوا على أكتاف الناس ليتجهوا بهم صوب موطنهم الأبدي دون رغبتهم وأوردوهم حفرة القبر دون إرادتهم .
ثم كشف عليه السلام عن مصيرهم ببيانه لصفتين فقال :
« فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً « 1 » ، وكَأَنَّ الْاخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً » .
إشارة إلى أنّ كلّ شيء ينتهي في لحظة فيبلغ بهم البعد عن الدنيا درجة كأنّهم لم يعيشوا فيها ويقتربوا من الآخرة وكأنّهم عاشوا فيها منذ الأزل .
ثم قال عليه السلام :
« أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِنُونَ ، وأَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ » .
أجل ! كانوا يشعرون بالوحشة حين يمرون بتلك القبور الهامدة فيشيحون عنها بوجوههم ، سيما إن كان مرورهم بالليل ، بينما أصبحت الآن وطنهم ولو عادوا اليوم بهذه الحال إلى بيوتهم ومساكنهم لاستوحش منهم الناس وبالعكس سيعيشون هم أيضاً تلك الوحشة - إن كان لهم إدراك وشعور - .
من جانب آخر فإنّ مشكلتهم الرئيسيّة أنّهم لم يعمروا دار الآخرة واستفرغوا كلّ طاقاتهم في عمران الدنيا حيث وصف ذلك الأمم عليه السلام في مواصلته لكلامه فقال :
« وَاشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا ، وأَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ انْتَقَلُوا » .
والأسوأ من ذلك لا مجال هنا لتلافي ما فرط منهم وهذا ما أكّده الإمام عليه السلام بقوله :
« لَا عَنْ قَبِيح يَسْتَطِيعُونَ انْتِقَالا ، وَلَا فِي حَسَن يَسْتَطِيعُونَ ازْدِيَاداً » .
فهل لثمار الشجرة إن انفصلت عنها من عودة إليها ومواصلة حياتها ناضجة كانت أم فاسدة ؟ وهل الوليد الذي يخرج من بطن أُمه سواء كان جنيناً كاملًا أم ناقصاً يستطيع العودة إلى رحمها ويواصل نموه ؟ كلا ، نعم هذا هو حال أصحاب الدار
هامش
( 1 ) . « عمار » جمع « عامر » من مادة « عمارة » و « عمران » معروفة .