القسم الثاني
وأُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وإِقْلَالِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ . وكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ ، وطَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ ! فَكَفَى واعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ ، حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبِينَ ، وأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ ، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً ، وكَأَنَّ الْاخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً . أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِنُونَ ، وأَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ ، وَاشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا ، وأَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ انْتَقَلُوا . لَاعَنْ قَبِيح يَسْتَطِيعُونَ انْتِقَالا ، وَلَا فِي حَسَن يَسْتَطِيعُونَ ازْدِيَاداً . أَنِسُوا بِالدُّنْيَا فَغَرَّتْهُمْ ، ووَثِقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ .
الشرح والتفسير : أفضل الوعظ
أشار الإمام عليه السلام في هذا الجانب من الخطبة إلى نقطة مهمّة من شأنها أن تكون دافعاً قوياً للتقوى آنفة الذكر ؛ والتي تكمن في ذكر الموت ، فأوصى بصورة عامة إلى ذكر الموت فقال :
« وأُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وإِقْلَالِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ . وكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ ، وطَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ ! » .
نعم ! فليس هنالك من عقل يسوغ للإنسان الغفلة عن حادثة لابدّ له من الوصول إليها ، وعدم الإكتراث للشيء الذي لا أمل في الفرار منه ، فالعاقل مَن يقرّ بهذه الحقيقة في أنّ الموت مصير حتمي لجميع الناس ، بل الموجودات كافّة ، وما أعظم ما قال الشاعر :
كُلُّ ابنُ أنثى وإنْ طَالتْ سَلامَتُهُ * يَوماً عَلى آلةِ حَدباءِ مَحمُولُ