« أَقلُّ ما يَكُونُ في آخِرِ الزَّمانِ أَخٌ يُوثَقُ بِهِ اودِرْهَمٌ مِنْ حَلال » « 1 » .
ويتّضح ممّا ذكرنا آنفا أنّ العبارة لا تنطوي على مفهوم معقد ومجهول كما ذهبإلى ذلك بعض شرّاح نهج البلاغة فقدموا عدّة احتمالات مستبعدة وضعيفة .
ثم خاض عليه السلام في سائر المشكلات التي يعاني منها ذلك المجتمع الفاسد والذي ينتظره الناس بحكم الإجبار فقال :
« ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَاب ، بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ والنَّعِيمِ ، وتَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَار ، وتَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَاج » .
فأيّ مجتمع إنّما يؤول إلى الانهيار إن شهد هذه البلايا الثلاث ، الأثرياء يسكرون بالثروة فينسون اللَّه وخلقه ، وبالطبع فإنّ سكر النعمة أخطر من سكر الشراب ، فسكر الشراب قد ينتهي بعد مرور ليلة بينما قد يستمر سكر النعمة طيلة العمر ، كذلك القسم من غير اضطرار والذي يوهن من شأن اللَّه تعالى ، والكذب من دون احراج الذي يزيل الثقة والاطمئنان وبالتالي تتعقد الحياة في ظلّ هذا المجتمع .
وقال عليه السلام في اختتامه لهذا التكهن :
« ذَاكَ إِذَا عَضَّكُمُ « 2 » الْبَلَاءُ كَمَا يَعَضُّ الْقَتَبُ « 3 »
غَارِبَ « 4 » الْبَعِيرِ مَا أَطْوَلَ هذَا الْعَنَاءَ ، وأَبْعَدَ هذَا الرَّجَاءَ ! » .
يعتقد أغلب الشرّاح أن هذه العبارة منفصلة عن العبارات السابقة فإنّ السيد الرضي - طبق عادته - أسقط بعض العبارات حين اقتطافه لبعض العبارات الرائعة لخطب الإمام عليه السلام .
ولا يبدو هذا الكلام مستبعداً ، لأنّ
« ذاكَ »
تشير ظاهراً إلى النجاة والفرج الذي سيحصل للمؤمنين بعد كلّ ذلك البلاء ، والعبارة
« ما أَطْوَلَ هذَا الْعَنَاءَ وأَبْعَدَ هذَا الرَّجاءَ »
شاهد متين على هذا المعنى حيث قال عليه السلام : هنالك أمل في النجاة بعد كلّ هذا البلاء .
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 74 ، ص 157 .
( 2 ) . « عَضَّ » من مادة « عضّ » على وزن « خزّ » تستعمل كناية عن الحوادث التي تزعج الإنسان .
( 3 ) . « قتب » جهاز الناقة ( اطار صغير أصغر قليلًا من سنام الناقة يوضع عليها ليجلس عليها الراكب ) .
( 4 ) . « الغارب » موضع بين العنق والسنام .