صَنْعَتِهِ ، وَعَجَائِبِ خِلْقَتِهِ ، مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ فِي هذِهِ الْخَفَافِيشِ الَّتِي يَقْبِضُهَا الضِّيَاءُ الْبَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَيَبْسُطُهَا الظَّلَامُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيٍّ » .
ثم يردفها بالعبارة :
« وَكَيْفَ عَشِيَتْ « 1 » أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ
نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا ، وَتَتَّصِلُ بِعَلَانِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا . وَرَدَعَهَا بِتَلَأْلُؤِ ضِيَائِهَا عَنِ الْمُضِيِّ فِي سُبُحَاتِ « 2 » إِشْرَاقِهَا ، وَأَكَنَّهَا « 3 » فِي مَكَامِنِهَا « 4 » عَنِ الذَّهَابِ
فِى بُلَجِ « 5 » ائْتِلَاقِهَا « 6 » »
. النقطة الجديرة بالتأمل ، إنّ الإمام عليه السلام أشار إلى ثلاث نقاط مختلفة بثلاث عبارات إلى التأثير السلبي لضياء الشمس عليها ، فقال : إنّ ضياء الشمس لم يدعها تتلمس طريقها وإنّ أشعة الشمس تمنعها من بلوغ مقاصدها في هذه الطرق ( كالطعمة والحجر ) وأخيراً أنّها لو سلكت طريقاً وطلعت عليها الشمس فجأة لصدتها عن مواصلة السير .
وبالنتيجة ، ليس لها سوى الاختباء في الحجور المظلمة لتأمن أشعة الشمس ، وعلى هذا الأساس فإنّ ضياء الشمس الذي ينير كل شيء ويساعد جميع الكائنات الحية لأن تعرف طريقها وتواصل حركتها نحو غايتها ، لا يبدو كذلك بالنسبة لهذا الطائر « الخفاش » فآثاره سلبية عليه ، وعلى العكس من ذلك فهو يستفيد من الظلمة التي تسوق كل ما سواه إلى السكون ، ليبدأ بالنشاط والحركة .
ومن هنا واصل كلامه فقال :
« فَهِيَ مُسْدَلَةُ « 7 » الْجُفُونِ « 8 » بِالنَّهَارِ عَلَى
هامش
( 1 ) . « عشيت » من مادة ( عشو ) بمعنى الظلمة ، إشارة إلى أنّ عيونها عاجزة عن رؤية ضياء الشمس
( 2 ) . « سبحات » جمع سُبحة ، على وزن لقمة ، بمعنى النور ، كما تعني الظُلمة
( 3 ) . « اكنها » من مادة ( كن ) على وزن جن ، تعني في الأصل ، الظرف الذي يحفظ فيه الشيء ، ثم أطلقت على جميع الوسائل التي تؤدي إلى الخفاء
( 4 ) . « مكامن » جمع مكمن ، من مادة ( كمون ) ، بمعنى الاخفاء والمكمن هو الموضع الذي يختفي فيه الإنسان أو الشيء
( 5 ) . « بلج » جمع بلجة ، أول ضياء الصباح
( 6 ) . « ائتلاق » من مادة ( الق ) على وزن برق ، بمعنى البريق ، وبلج ائتلاقها بمعنى أول الضياء ولمعان الشمس
( 7 ) . « مسدلة » من مادة ( سدل ) على وزن عدل ، تعني في الأصل ، هبوط الشيء من الأعلى إلى الأسفل بحيثيتغطى وهي هنا إشارة إلى سقوط أجفان الخفاش إلى الأسفل
( 8 ) . « جفون » جمع جفن ، على وزن قفل ، ما يغطي العين