والعبارة
« إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا »
تتضمن احدى صفات أهل البيت عليهم السلام وهي الصدق في الكلام التي تنسجم والآية الشريفة : « كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ » « 1 » . والعبارة
« وَإِنْ صَمَتُوا لَمْ
يُسْبَقُوا »
إشارة واضحة إلى أنّ صمتهم عليهم السلام لا يعني عجزهم عن الإجابة قط ، بل صمتهم على ضوء الحكمة والمصلحة ، وعليه فلا يسع أحد أن يسبقهم . أو معنى ذلك أنّ هيبتهم تحول دون قدرة الآخرين على الكلام حين صمتهم . على كل حال فإنّ هذه الصفات الأربع في أهل البيت عليهم السلام تميز مقامهم عن الآخرين وتكشف عن علو منزلتهم ومكانتهم العلمية ، ثم قال تأكيداً لهذا المطلب في أنّ الهدف ليس المدح والثناء على الذات :
« فَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ « 2 » أَهْلَهُ ، وَلْيُحْضِرْ عَقْلَهُ ، وَلْيَكُنْ مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ ،
فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ ، وَإِلَيْهَا يَنْقَلِبُ » .
تعني كلمة
« رَائِدٌ »
في الأصل ، الشخص الذي يتقدم القافلة ويبحث عن الماء والمرعى . فلو كان مثل هذا الشخص كاذباً لعرّض أهل القافلة أنفسهم إلى الخطر .
فاختيار هذه الكلمة يشير إلى لطيفة مؤداها أنّي إن شرحت لكم خصائص أهل البيت عليهم السلام فذلك لأنّي بمنزلة ذلك الشخص الذي يوفر لاتباعه ضروريات وسائل العيش . ولعل العبارة
« فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ »
تشيرمفهوم الآية الشريفة : « إِنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ » . أو بعبارة أخرى أنّ الآخرة تعني هنا ما وراء الطبيعة . نعم ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المراد بالعبارة أنّا خلقنا للآخرة ، كما ورد ذلك في قصار كلمات الإمام :
« أَلا فَما يَصْنَعُ بِالدُّنيا مَنْ خُلِقَ للآخِرَةِ » « 3 » .
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بالنظر إلى ما ورد قبيل ذلك بشأن أهل البيت عليهم السلام
هامش
( 1 ) . هذه هي الآية 119 من سورة التوبة التي تأمر المؤمنين في كل عصر ومصر باتباع الصادقين وملازمتهم ، وقدفسّرت الروايات الواردة في مصادر الفريقين ، الصادقين ، بالأئمّة المعصومين عليهم السلام . راجع للوقوف على مصادر هذا الحديث كتاب ، نفحات القرآن ، ج 9 ، ص 167
( 2 ) . « رائد » من مادة « ورد » على وزن قوم بمعنى السعي للقيام بشي ، كما ورد في الشرح ، فإنها تطلق عادة علىالشخص الذي ينطلق امام القافلة ويبحث عن المرعى والمرتع
( 3 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 157