يريد أن يقول إنّكم دائماً تحثون الخطى باتّجاه التشتت والفرقة وليس هناك ما يوحّد كلمتكم ، لا العناصر التي ترضيني ولا النواهي عن الأمور التي تغضبني ، والفرقة هي أهم عوامل فشلكم ، فأنتم لا تمتثلون لأوامري ولا تنتهون بنهيي ، كما يحتمل أن يكون مراد الإمام عليه السلام أنّكم تجتمعوا على ما يخالف رغبتكم أو يطابقها ، كمن يقول للمريض انك لا تتناول الدواء المر ولا الحلو ، أي إن لم تقبل الأول فاقبل الثاني ، كحد أدنى . ثم تشتعل النار في قلب الإمام عليه السلام بعد ذلك الذم والتوبيخ فيقول :
« وَإِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لَاقٍ إِلَيَّ الْمَوْتُ ! »
. حقّاً إنّها لفاجعة أن تبلغ الحالة درجة يتمنى معها هذا الجبل الشامخ الذي يفيض صبراً وتحمّلًا الموت . نعم أحياناً يصيب الإنسان من صحبه الغدرة الفجرة ما لا يصيبه من أعدائه وهنا يتمنى الإنسان الموت ، الموت الذي يفرق بينه وبين مثل هؤلاء الأفراد الناكرين للجميل المنحرفين عن الحق .
ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى أياديه الثقافية والتربوية لأُمّة الإسلامية سيما بالنسبة لصحبه فأشار إلى أربعة مواضيع مهمّة فقال :
« قَدْ دَارَسْتُكُمُ « 1 » الْكِتَابَ »
. طبعاً القرآن كان بأيدي المسلمين يتلونه أثناء الليل والنهار ولم تكن هنالك من حاجة لتدريس الإمام عليه السلام ، فالمراد فهم مضمون القرآن الكريم وسبر أغواره والوصول إلى مفاهيمه حيث يعتبر الإمام عليه السلام المفسّر الأول بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فكان يفسّر للناس آيات القرآن ويستشهد بها في أغلب خطبه ، ثم تطرق إلى خدمته الثانية للأمة فقال :
« وَفَاتَحْتُكُمُ الْحِجَاجَ « 2 » »
. أي علمتكم الأدلة العقلية كحجة شرعية بعد الأدلة النقلية .
وقال في الخدمة الثالثة :
« وَعَرَّفْتُكُمْ مَا أَنْكَرْتُمْ »
فقد كشفت لكم الغطاء عن مكنون كثير من الحقائق الخافية عليكم وكنتم تجهلونها ، كما يمكن أن يكون لهذه العبارة مفهومٌ آخر هو انكاركم لبعض المسائل واتخاذكم مواقف أخرى منها بفعل
هامش
( 1 ) . « دارستكم » من مادة ( مدارسة ) بمعنى ، التدريس والتعليم والتفهيم
( 2 ) . « حجاج » جمع حجة ، بمعنى الدليل والبرهان ، ولها أحياناً معنى مصدري وتستعمل بصيغة المفرد