فقدت الفضائل الأخلاقية تنحدر نحو الفساد والانحراف والزوال :
إنَّما الأمَمُ الأَخلاقُ ما بَقِيتْ * فَإنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخلاقُهُم ذَهَبُوا
ثم ركّز الإمام عليه السلام على واحدة من أهم المسائل الأخلاقية التي لا يتسنى تهذيب النفس إلّامن خلالها والتي تتمثل بإصلاح اللسان ، قائلًا :
« وَاجْعَلُوا اللِّسَانَ وَاحِداً »
حيث تقابل هذه العبارة تلك العبارة
« ذواللسانين »
بحق المنافق ، الذي يقول شيئاً في حضور الإنسان وآخر في غيابه ، « وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُون » « 1 » ومن الطبيعي أن تغيب كل معاني المحبّة والمواساة التي تشكل الركن الأساس للحياة الاجتماعية في المجتمع الذي يمتاز أفراده بالنفاق والابتعاد عن الصدق ، وليس هنالك سوى سوء الظن الذي يسود المجتمع .
ثم قال في الوصية الثانية :
« وَلْيَخْزُنِ الرَّجُلُ لِسَانَهُ ، فَإِنَّ هذَا اللِّسَانَ جَمُوحٌ « 2 »
بِصَاحِبِهِ »
. فتشبيه اللسان بالفرس الجموح تشبيه رائع ولطيف ، ذلك لأنّ اللسان أسهل عضو لدى الإنسان يحركه دون عناء ، إلّاأنّ أهواء النفس ووساوس الشيطان قد تغلب الإنسان بحيث لا يستطيع السيطرة عليها ، فيصبح كالفرس الجموح الذي يغلب فارسه فيوشك أن يطرحه في المهلكة . ولعل أفضل وسيلة لحفظه من الخطر أن يقلّل الإنسان من كلامه ، وهذا هو المراد من حفظ اللسان ، وليس بعدم الكلام قط ، ذلك لأنّ اللسان أهم وسيلة في التربية والتعليم ونقل العلوم والمعارف والتجارب وذكر اللَّه تعالى .
ثم أكّد عليه السلام ذلك ، فقال :
« وَاللَّهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ »
. فهذا التأكيد المقرون بالقسم إشارة إلى المرحلة الأُولى التي قال بها أرباب السير والسلوك إلى اللَّه والتي تتمثل بإصلاح اللسان ، وما لم يجتز الإنسان هذه العقبة فلن
هامش
( 1 ) . سورة البقرة ، الآية 14
( 2 ) . « جموح » من مادة ( جمح ) الفرس ، الذي يغلب صاحبه