لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ » .
ثم رغّب مخاطبيه - الإنسانية جمعاء - في ترك التعلق بالدنيا وقد عرض لهم نماذج السلف الصالح فقال :
« فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ ، وَالْمَاضِينَ أَمَامَكُمْ .
قَوَّضُوا « 1 » مِنَ الدُّنْيَا تَقْوِيضَ الرَّاحِل ، وَطَوَوْهَا « 2 » طَيَّ الْمَنَازل » .
وصايا ضرورية
1 . ورد الحثّ في الإسلام والتأكيد على حسن الظن ، فما معنى تأكيد الإمام عليه السلام هنا على إساءة الظن ؟ سبب ذلك واضح في أنّ حسن الظن يتعلق بالآخرين ، أمّا بالنسبة للذات التي تعيش طبيعياً حسن الظن المفرط إلى درجة رؤية الضعف قوّة ، والرذيلة فضيلة ، ورد الحثّ على إساءة الظن لإيجاد حالة من التوازن . فلابدّ للإنسان من نقد ذاته وتقييم أعماله وسلوكه دون تهاون لينفتح على الكمال . فهو كذاك الذي يجتاز طريقاً خطراً ، فإن اطمأن للطريق ، هوى وإن احتاط وحذر ، نجى .
جدير بالذكر أنّ نقد الذات لا يتنافى والثقة بالنفس ، فالثقة بالنفس من قبيل وجود قوّة عظيمة لدى الإنسان وهو عالم بها ، وهذا لا يمنع من الحذر في مواضع الخطر وعدم نسيان الاحتياط حين الاستعانة بتلك القوّة .
2 . أورد الإمام عليه السلام لمخاطبيه نموذجين ( كالسابقين من قبلكم ) و ( الماضين أمامكم ) لانطواء حياة كل فئة منهما على الدروس والعبر .
3 . اختتم الإمام عليه السلام الخطبة بأمرهم بالنظر إلى الدنيا كمَن قوض عماد الخيمة وجمعها وسلك سبيله يطوي المنازل دون الإقامة في الدنيا والاستقرار فيها ، ويبدو أنّ جميع مشاكل أهل الدنيا تنبعث من هنا ، في أنّهم نسوا الموت تماماً وظنوا بخلودهم في الدنيا ، وكأنّهم لا يرون الزلازل والسيول التي تضرب بعض المناطق
هامش
( 1 ) . « قوضوا » من مادة ( تقويض ) بمعنى الهدم ، والمراد هنا نزع أعمدة الخيمة وإطنابها لرفعها وجمعها
( 2 ) . « طووها » من مادة ( طي ) بمعنى الاجتياز