القسم الثاني
وَاعْلَمُوا - عِبَادَاللَّهِ - أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَايُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَنَفْسُهُ ظَنُونٌ عِنْدَهُ ، فَلَا يَزَالُ زَارِياً عَلَيْهَا وَمُسْتَزِيداً لَهَا . فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ ، وَالْمَاضِينَ أَمَامَكُمْ . قَوَّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْوِيضَ الرَّاحِل ، وَطَوَوْهَا طَيَّ الْمَنَازل .
الشرح والتفسير : نقد الذات
أعطى الإمام عليه السلام هنا دعاة الحق والسالكين إلى اللَّه درساً معنوياً مهمّاً فقال :
« وَاعْلَمُوا - عِبَادَ اللَّهِ - أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَايُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَنَفْسُهُ ظَنُونٌ « 1 » عِنْدَهُ ، فَلَا
يَزَالُ زَارِياً « 2 » عَلَيْهَا وَمُسْتَزِيداً لَهَا » .
فإننا نعلم أن أحد حجب تكامل الإنسان ، هو حبّ الذات الذي يبدي له عيوبه محاسن وضعفه قوة ، وعليه فإن أراد الإنسان سلوك طريق السمو والتكامل ، لابدّ أن يتّهم نفسه ويعرضها للنقد ليطرح عنها حجب حب الذات ويريها الواقع كما هو . وقد بين الإمام عليه السلام هذا الأمر بثلاث عبارات قصيرة ، قال في الأولى بوجوب إساءة الظن بالنفس ومن ثم انتقادها وأخيراً إيصالها إلى الكمال المطلوب . وقد أشار في خطبة المتقين التي تضمنت مائة وعشرة دروس أخلاقية إلى هذه القضية المهمّة :
« فَهُمْ
هامش
( 1 ) . « ظنون » صيغة مبالغة من مادة ( ظن ) ترد في مثل هذه الحالات بمعنى سوء الظن ، وعليه ، تعني هنا ، منينظر إلى نفسه بالنقد ويتّهمها ، كما وردت مادة ظن بمعنى الشيء القليل ، وعليه فالظنون تطلق على الفرد الضعيف ، والمعنى الأول هو المراد
( 2 ) . « زاري » بمعنى عائب ، من مادة ( زرْي ) ، على وزن جرى