فالعبارة ، إشارة لما تأكد مراراً في نهج البلاغة والقرآن أنّ الدنيا ليست خالدة وأنّها ليست بدار إقامتنا ، بل هي ممرّ مؤقت نجتازه في سفرنا إلى الآخرة حيث مقرّنا ومقامنا بعد التزود من هذه الدنيا لتلك الحياة الحقيقية التي قال عنها القرآن :
« لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ » « 1 » .
ثم أكّد الإمام عليه السلام أكثر فقال :
« أَلَا وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُمْ وَلَا تَبْقُونَ عَلَيْهَا » .
كما ردّ على أولئك الذين يصفون الدنيا دائماً بالخداع والغرور ، فقال :
« وَهِيَ وَإِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا . فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا ، وَأَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا »
. صحيح أنّ أغلب مظاهر الدنيا تثير الغرور والغفلة ، لكنها ترينا إلى جانب ذلك بعض المشاهد التي توقظ كل غافل من نوم غفلته . فاللحظة التي ينال فيها أحدهم السلطة ويستولي على العرش ، هي ذاتها التي يسقط فيها أخيراً ، وفي الوقت الذي يرث فيه شخص الآلاف المؤلفة من الثروة ، هو نفس الوقت الذي يحمل فيه جثمان صاحب تلك الثروة ليوسّد التراب ، وحين يولد طفل وتطالعنا مظاهر الفرح والسرور على سيماء وجوه أُسرته ، ترتفع إلى جانبه أصوات أُسرة بالعويل لفقدهم أحد أعزتهم ، فلم نركز على الصورة الأُولى ونتناسى الصورةالثانية ؟ ! حاول الإمام عليه السلام بهذه العبارات العميقة المعنى أن يلفت الانتباه إلى هذه الحقيقة وقد أكّدها في سائر خطب نهج البلاغة وقصار الكلمات .
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا :
« وَسَابِقُوا فِيهَا إِلَى الدَّارِ الَّتِي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا ، وَانْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا »
، كما قال :
« وَلَا يَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِينَ الْأَمَةِ عَلَى مَا زُوِيَ « 2 »
عَنْهُ مِنْهَا ، وَاسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طاعَةِ اللَّهِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ » .
هامش
( 1 ) . سورة العنكبوت ، الآية 64
( 2 ) . « زوي » من مادة ( زي ) على وزن حي ، بمعنى الجمع والأخذ والحمل والإبعاد ، وتعني في العبارة الإبعادوالفقدان لأنّها وردت بصيغة الفعل المجهول في العبارة ومعها الحرف عن