( في صحراء سيناء ) فقال :
« لكِنَّكُمْ تِهْتُمْ « 1 » مَتَاهَ بَنِي إِسْرائِيلَ . وَلَعَمْرِي ، لَيُضَعَّفَنَّ لَكُمُ
التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافاً « 2 » بِمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ، وَقَطَعْتُمُ الْأَدْنى ، وَوَصَلْتُمُ
الْأَبْعَدَ »
. ثم أوضح في الختام سبيل النجاة وذكرهم بأنّ باب العودة إلى الحق مفتوح على الدوام فقال :
« وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ ، سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ ، وَكُفِيتُمْ مَؤُونَةَ الاعْتِسَافِ « 3 » ، وَنَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ « 4 » عَنِ الْأَعْنَاقِ » .
تأمّل : بنو إسرائيل
. . .
شبه الإمام عليه السلام بالعبارة المذكورة طائفة من المسلمين الذين حادوا عن الحق واحتاروا كبني إسرائيل الذين تاهوا في الصحراء أثر عنادهم وعدم استجابتهم لنبيهم موسى عليه السلام ، بجهاد غاصبي بيت المقدس . وقد نقل بعض شرّاح نهج البلاغة رواية عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أنّه قال :
« لتركبنّ سنَنَ مَن كان قبلكم حذو النعل النعل ، والقذّة بالقذّة ، حتى لو دخلوا حُجر ضبّ ضبّ لدخلتموه ، فقيل : يا رسول اللَّه اليهود والنصارى ؟ قال : فمن إذن » « 5 »
. وبغض النظر عن الإشكال الذي يرد على اسناد الرواية ، فإنّ تطبيقها على الواقع لا يخلو من إشكال أيضاً ، وعلى فرض صحة الرواية فإنّه يمكن حملها على الغالب . إشارة إلى أنّ أغلب الحوادث المريرة التي شهدتها الأقوام السابقة سيشهدها المسلمون ، ويعيد التاريخ نفسه ، ذلك لأنّ الأسباب المتشابهة تتطلب مسببات متشابهة .
هامش
( 1 ) . « تهتم ومتاه » كلاهما من مادة ( تيه ) ، تعني في الأصل ، الزهو والتكبر ، ثم استعملت بمعنى الحيرة والضلالعن الطريق وهذا هو المراد بها في العبارة ، أي احترتم كحيرة بني إسرائيل ( متاه مصدر ميمي )
( 2 ) . « أضعاف » جمع ضعف ، على وزن فعل ، معروف
( 3 ) . « اعتساف » من مادة ( عسف ) على وزن وصف ، بمعنى الضلال
( 4 ) . « فادح » بمعنى ثقيل وشاق ، وهي هنا تأكيد لكلمة ثقل
( 5 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد ، ج 9 ، ص 286 ؛ منهاجالبراعة ، ج 10 ، ص 83