والمسلمين ، وأمّا أنّه مضحك فذلك لأنّه ليست هنالك من نسبة للمقارنة بيني وبينه ، ولذا لا يقاس معاوية أبداً بي بل أنا وهو طرفي التضاد ، نعم ربّما لا يعود هذا البكاء والضحك لزمان واحد ، فالبكاء لهضم حقوق الإسلام والمسلمين في كيفية رضاهم بحكومة بني أمية حثالة عصر الجاهلية .
ثم قال عليه السلام
: « وَلَا غَرْوَ « 1 » وَاللَّهِ ، فَيَا لَهُ خَطْباً يَسْتَفْرِغُ « 2 » الْعَجَبَ ، وَيُكْثِرُ الْأَوَدَ « 3 » ! » .
لعل صدر وذيل العبارة يبدو في الوهلة الأُولى متناقضاً ، إلّاأنّه في الواقع نوع من البلاغة والفصاحة التي أوردها الشاعر حين أنشد :
قَدْ صِرْتُ فِي المَيدانِ يَوْمَ طِرادِهِمْ * فَعَجِبْتُ حَتّى كِدْتُ أَن لْاأَعْجبا « 4 »
أي ، تعجبت إلى الحد الذي لم يبق لي من مجال للتعجب فقد وطأت الميدان فعجبت من الوضع إلى درجة أنّي كدت أن لا أتعجب ، ولعل ذلك من باب المثل المعروف ، « أنّ الشَّيءَ إِذا تَجاوَزَ حَدُّهُ انْقَلَبَ ضِدُّهُ » . والعبارة
« وَيُكْثِرُ الْأَوَدَ ! »
إشارة إلى أنّ المجتمع الإسلامي بفعل حكومة يتزعمها ابن أبي سفيان سينحرف تماماً عن الصراط ويعيش الاعوجاج في كل شيء .
ثم خاض الإمام عليه السلام في تفاصيل هذا الأمر فقال :
« حَاوَلَ الْقَوْمُ إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ مِنْ مِصْبَاحِهِ ، وَسَدَّ فَوَّارِهِ « 5 » مِنْ يَنْبُوعِهِ ، وَجَدَحُوا « 6 » بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ شِرْباً وَبِيئاً « 7 » »
. فالعبارة
« حَاوَلَ الْقَوْمُ . . . »
إشارة إلى أنّ بني أمية لا يسعون إلى الحكومة وزعامة الأُمّة فحسب ، بل هدفهم إطفاء نور الإسلام والقرآن ، والهدف إعادة الأُمّة إلى الجاهلية
هامش
( 1 ) . « غرو » بمعنى ، التعجب
( 2 ) . « يستفرغ » من مادة ( فراغ ) تعني هنا ، الاخراج ومعنى العبارة ، يستفرغ العجب أنّه يزيل أي عجب ولا يترك له من مكان
( 3 ) . « أود » من مادة ( أود ) على وزن قول ، بمعنى العوج ، وأود على وزن سند ، بمعنى الاعوجاج
( 4 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد ، ج 9 ، ص 247
( 5 ) . « فوار » صيغة مبالغة بمعنى كثير الفوران ، كما تعني عين الماء والثقب الذي يخرج منه الماء بشدّة
( 6 ) . « جدحوا » من مادة ( جدح ) على وزن مدح ، بمعنى ، الخلط والمزج
( 7 ) . « وبيئا » الشيء الذي يكثر فيه الوباء ، طبعاً يطلق الوباء أحياناً على مرض خاص ، وأخرى ، على كل مرض ، والمعنى الثاني هو المراد في الخطبة