الشقوة الدائمة فقال :
« فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الْفَنَاءِ لِأَيَّامِ الْبَقَاءِ . قَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ ، وَأُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ « 1 » ، وَحُثِثْتُمْ « 2 » عَلَى الْمَسِيرِ »
. جدير ذكره أنّ المراد من الزاد : التقوى والعمل الصالح الذي أشار إليه القرآن : « وتَزودَوا فإنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوى » « 3 » . والعبارة ( أمرتم بالظعن . . . ) يمكن أن تكون إشارة إلى أمر تشريعي ورد في الآيات المرتبطة بفناء الدنيا وأنّ كل شخص سيذوق في خاتمة المطاف طعم الموت على ضوء الدلالة الالتزامية ، كما يمكن أن يكون إشارة إلى أمر تكويني ؛ لأنّ اللَّه خلق أسباب الحركة بحيث يسرع الطفل نحو الشباب والشباب إلى الكهولة وحث الخطى نحو دار البقاء ، وقد أصدر أمره بحث الحركة نحو أسباب العفو والمغفرة : « وَسارِعوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ » « 4 » . كما ورد في الخطبة 31 من نهج البلاغة في وصية الإمام عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام
: « يا بني من كانت مطيته الليل والنهار ، فإنّه يسار به وإن كان واقفاً ، ويقطع المسافة وإن كان مقيماً وادعاً » .
ثم واصل كلامه بتشبيه بليغ فقال :
« فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْبٍ « 5 » وُقُوفٍ ، لَايَدْرُونَ مَتَى
يُؤْمَرُونَ بِالسَّيْرِ »
. لعل هنالك من يتساءل كيف التوفيق بين عبارة الإمام عليه السلام وقوله ( أمرتم بالظعن ) التي اردفها بالعبارة ( لا يدرون متى يؤمرون بالسير ) ؟ وإنّ أدنى تأمل يفيد أنّ العبارة الأولى إشارة إلى الحركة في الدنيا نحو الكمال والمسارعة في أعداد عناصر العفو والمغفرة ، أمّا العبارة الثانية فهي تشيرالحركة من الدنيا إلى الآخرة .
على كل حال فقد ورد هذا التشبيه في سائر مواضع نهج البلاغة ومنها الكلمات القصار حيث قال عليه السلام :
« أَهلُ الدُّنيا كَرَكْبٍ يُسارُ بِهِم وَهُم نِيامُ » « 6 »
وهذا النوم هو الغفلة
هامش
( 1 ) . « الفطن » بمعنى ( الرحيل ) من مكان إلى آخر
( 2 ) . « حثثتم » من مادة ( حث ) على وزن وصف ، الاندفاع والسرعة
( 3 ) . سورة البقرة ، الآية 197
( 4 ) . سورة آل عمران ، الآية 133
( 5 ) . « ركب » جمع ( راكب ) تعني في الأصل ، ركوب الدابة ، إلّاأنّ معناها المتعارف ، القافلة
( 6 ) . نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة 64