التقوى ملكة باطنية قوية تحول دون مقارفة الإنسان للذنب وهذا ما يؤدّي بدوره إلى الاحتراز من انعكاسات الذنب الخطيرة في الدنيا والآخرة ، بعكس الأفراد المجانبين للورع والتقوى والذين يصبحون عرضة لنفوذ الشياطين وأهواء النفس وبالتالي السقوط في مستنقع الذنب والفضيحة في الدنيا وسوء العذاب في الآخرة .
ثم تطرق عليه السلام إلى آثار التقوى فقال :
« أَلَا وَبِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ « 1 » الْخَطَايَا ،
وَبِالْيَقِينِ تُدْرَكُ الْغَايَةُ الْقُصْوَى »
فالإمام عليه السلام يشبه سطوة الذنوب بالحشرات السامة كالحية والعقرب . نعم ، فالتقوى هي التي تمنح الإنسان الحياة ، ولما كانت التقوى واليقين لازماً وملزوماً لبعضهما البعض فقد صرح الإمام عليه السلام بأنّ من ينطق باليقين يبلغ الهدف ، والتقوى تزيل عقبات الطريق ولا يفرز عدم التقوى سوى ضعف اليقين .
فهل يسع من يوقن بهذه الآية :
« إنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أمَوالَ اليَتامى ظلماً إِنَّما يَأَكُلُونَ فِي بُطُونِهِم ناراً » « 2 »
أن يأكل مال اليتيم ؟ وهل يسعك أن تجد شخصاً يتناول قطعة من النار ويضعها في فمه ؟ ! ثم قال في اطار حثّ الآخرين على التزود من الدنيا للآخرة :
« عِبَادَ اللَّهِ ، اللَّهَ اللَّهَ فِي أَعَزِّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكُم ، وَأَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ »
. قطعاً المراد من ( أعز الأنفس ) في هذه العبارة نفس الإنسان ، ذلك لأنّ حب الذات مسألة طبيعية لدى الإنسان وإن تعلق بشخص أو شيء ففي ظل غريزة حب الذات ( بغض النظر عن أولئك الذين تجاوزوا ذواتهم ولم يعودوا يروا سوى اللَّه وذاته المطلقة ولا يرومون سواه . على كل حال ، فالمراد : إن لم ترحموا أحدا فعلى الأقل ارحموا أنفسكم وإن غفلتم عن مصالح الآخرين فلا تغفلوا عن مصالحكم ، فهذا الأمر مودع في فطرتكم .
ثم حذر قائلًا :
« فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ الْحَقِّ وَأَنَارَ طُرُقَهُ . فَشِقْوَةٌ لَازِمَةٌ ، أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ ! »
. وخاض أخيراً في بيان أسباب نيل السعادة الدائمة واجتناب
هامش
( 1 ) . « حمة » بالضم ، على وزن قوة ، بمعنى لسع الحشرات والعقارب وما شابه ذلك ، كما تطلق على سمها أيضاً
( 2 ) . سورة النساء ، الآية 10