يدب فيها الضعف والعجز وتتخلى عن تلك السلطة مختارة أو مرغمة إلى الآخرين « فَإذا جَاءَ أَجَلُهُم لايَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ » ، كما جرت العادة على أنّ يولد الفرد طفلًا ثم يصبح شاباً يافعاً وبالتالي يسير إلى الشيخوخة والهرم لينتظر أجله فيلتحق بقافلة الموتى ويتوسد التراب .
وما أن يفرغ الإمام عليه السلام من هذا الأمر حتى يسدى نصائحه ومواعظه
« فَكَأَنَّكُمْ بِالسَّاعَةِ تَحْدُوكُمْ « 1 » حَدْوَالزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ »
. وبالنظر إلى أنّ الزاجر تطلق على من يسوق الجمال بسرعة ، والشوال جمع شائلة التي تطلق على الجمال الخفيفة ، أي التي مضت مدّة على وضعها لحملها وقد جفّ ثدياها وبالطبع لا يلتفت إليها الراعي ، نستنتج أنّ الدهر يسوق الناس سراعاً إلى الفناء . فما أسرع الليالي والأيّام والسنوات والأشهر ، إلى جانب الحوادث المفاجئة والأمراض وسائر الأمور التي تستهدف حياة الإنسان .
ثم يلفت عليه السلام الانتباه بعد ذلك التحذير إلى هذه الحقيقة :
« فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ ، وَارْتَبَكَ « 2 » فِي الْهَلَكَاتِ ، وَمَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ ،
وَزَيَّنَتْ لَهُ سَيِّىءَ أَعْمَالِهِ »
. فكل إنسان ينطوي على بعض المناقص والمثالب ونقاط الضعف وليس له من سبيل سوى إصلاحها ليتدرج في المسيرة نحو الإنسان الكامل فيستحق قرب اللَّه وخلافته ، أمّا من صوب نظره خارج ذاته وانهمك بسائر قضايا الناس كالمال والثروة والجاه فلا مناص أنّه سيعيش الحيرة والارباك ، والأسوأ من ذلك أنّ الشياطين تتخطف هذا الإنسان الغافل فتسوقه إلى الطغيان وتزين له سوء أعماله حتى يراها من مواطن قوته فيفخر بها ، ومن الطبيعي أنّ مثل هذا الإنسان لا سبيل لديه إلى النجاة . صرح القرآن بشأن مثل هذا الفرد : « كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ » « 3 » .
هامش
( 1 ) . « تحدو » من مادة ( حدو ) و ( حدي ) ، سوق الإبل ، ومطلق السوق
( 2 ) . « ارتبك » من مادة ( ربك ) على وزن ربط ، الاضطراب ، بحيث يصعب على الإنسان النجاة
( 3 ) . سورة الأنعام ، الآية 122