وإحساسه بالقرب منه والفوز برضاه .
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بأنّ الأمر إذا كان كذلك لابدّ أن يغنيكم سماع الحقائق المرتبطة بالآخرة بواسطة الأنبياء وأولياء اللَّه سبحانه وتعالى عن رؤيتها :
« فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ الْعِيَانِ السَّمَاعُ ، وَمِنَ الْغَيْبِ الْخَبَرُ » ،
من البديهي أن يعجز الإنسان عن العالم الخارجي مادامه في زنزانة الجسد وفي دار الدنيا الظلماء الضيقة ، فلا سبيل لإدراك أوضاع الآخرة وتفاصيلها سوى ما يوصله له هؤلاء العظام من أخبار يكتفي بها .
ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى أمرين منطقيين بهدف التشجيع على الإتيان بالصالحات واجتناب السيئات فقال :
« وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا وَزَادَ فِيِ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الآخِرَةِ وَزَادَ في الدُّنْيَا . فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ وَمَزِيدٍ خَاسِرٍ ! » ،
وهذا هو الأمر الذي أشار إليه القرآن الكريم بوضوح إذ قال : « مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ . . . » « 1 » .
وكما قال في موضع آخر : « إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ . . . » « 2 » .
وبناءاً على هذا فالأموال والأعمار والإمكانات التي توظف في مسار الآخرة إن قللت في الظاهر شيئاً من الدنيا ، ولكن في الواقع قد تضيف أحياناً مئة ضعف إلى ثواب الآخرة ، وبالعكس فانّ الإنسان يدفع الثمن باهضاً إن أخلّ بشيء من آخرته وتنازل عن دينه وإيمانه وإنهمك بدنياه لينال شيئاً من حطامها ، قال القرآن الكريم بهذا الخصوص : « إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَاخَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ . . . » « 3 » .
فهل هناك من عاقل مستعد لمعاوضة الصفقة الأولى المربحة بالثانية الخاسرة ؟ !
ثم قال الإمام عليه السلام في الأمر الثاني :
« إِنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيْتُمْ عَنْهُ وَمَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرّمَ عَلَيْكُمْ . فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ » .
المراد من « ما أمرتم به » هنا الأمر في مقابل الحظر ، يعني ما أجيز لكم بالنسبة إلى الذنوب
هامش
( 1 ) سورة البقرة / 261 .
( 2 ) سورة التوبة / 111 .
( 3 ) سورة آل عمران / 77 .