تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
الْأَرْضِ مَخَطُّهَا « 1 » » . فتاريخ البشر وتجاربنا اليومية تكشف هذه الحقيقة في أنّ الحياة كظلال الأشجار والقدرات كظلال الغيوم تمرّ بشرعة وتزول آثارها إلى الأبد ، لكن العجيب عدم التفات الإنسان رغم رؤيته لكل هذه الأمور وكأنّه غير مشمول بهذا القانون . ثم بيّن هذا المعلم الرباني إثر ذلك وبالنظر إلى علمه بمفارقة الدنيا عاجلًا بعض الدروس والعبر التي يمكن للآخرين الاستفادة منها والتي من شأنها إيقاظهم من غفلتهم فقال : « وَإِنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً ، وَسَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلَاءً « 2 » سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَاكٍ « 3 » ، وَصَامِتَةً بَعْدَ نُطْقٍ » . ثم استنتج مباشرة : « لِيَعِظْكُمْ هُدُوِّي « 4 » ، وَخُفُوتُ « 5 » إِطْرَاقِي « 6 » ، وَسُكُونُ أَطْرَافِي ، فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقِ الْبَلِيغِ وَالْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ » . حقّاً أنّ الأمر كذلك فالمتحكمون مهما كانوا فصحاء وبلغاء ، والسامعون مهما كانوا صاغين ولكن هناك فارق كبير بين النظر والسماع ، فيا لها من عبرة أن‌ترى ذلك الرجل الشجاع الذي ذاع صيته في الأرجاء وهو الآن طريح الفراش جثة هامدة لا يقوى حتى على تحريك جفن عينيه ، كما لا تقوى شفتاه على الحركة وهذا ما ينطوي على أعظم درس وعبرة حيث يشاهد الإنسان بعينه أفول القوة والقدرة فيغرق في هالة من التفكير ، وهل لواعظ القدرة على إبراز هذا التأثير ؟ وأخيراً إختتم الوصيّة بتوديع الناس ، ذلك الوداع الأليهم فقال : « وَدَاعِي لَكُمْ وَدَاعُ امْرِىً مُرْصِدٍ « 7 » لِلتَّلَاقِي ! غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي ، وَيُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي ، وَتَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُوِّ مَكَانِي وَقِيَامِ غَيْرِي مَقَامِي » . نعم ، فحين رجل مظهر العدل ذلك الزعيم الشفيق والرؤوف ، وحين غادر الناس تلك
هامش
( 1 ) « مخط » : من مادة « خط » بمعنى محل الخطوط . ( 2 ) « خلاء » : بمعنى خالية . ( 3 ) « حراك » : وحركة لها معنى واحد . ( 4 ) « هدو » : على وزن غلو بمعنى السكون وعدم القدرة على الحركة . ( 5 ) « خفوت » : بمعنى السكون والتوقف عن الحركة . ( 6 ) « اطراق » : خفض العين لضعف الأجفان . ( 7 ) « مرصد » : من مادة « ارصاد » بمعنى الاستعداد والانتظار .