الْأَرْضِ مَخَطُّهَا « 1 » » .
فتاريخ البشر وتجاربنا اليومية تكشف هذه الحقيقة في أنّ الحياة كظلال الأشجار والقدرات كظلال الغيوم تمرّ بشرعة وتزول آثارها إلى الأبد ، لكن العجيب عدم التفات الإنسان رغم رؤيته لكل هذه الأمور وكأنّه غير مشمول بهذا القانون .
ثم بيّن هذا المعلم الرباني إثر ذلك وبالنظر إلى علمه بمفارقة الدنيا عاجلًا بعض الدروس والعبر التي يمكن للآخرين الاستفادة منها والتي من شأنها إيقاظهم من غفلتهم فقال :
« وَإِنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً ، وَسَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلَاءً « 2 » سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَاكٍ « 3 » ، وَصَامِتَةً
بَعْدَ نُطْقٍ » .
ثم استنتج مباشرة :
« لِيَعِظْكُمْ هُدُوِّي « 4 » ، وَخُفُوتُ « 5 » إِطْرَاقِي « 6 » ، وَسُكُونُ أَطْرَافِي ، فَإِنَّهُ
أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقِ الْبَلِيغِ وَالْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ » .
حقّاً أنّ الأمر كذلك فالمتحكمون مهما كانوا فصحاء وبلغاء ، والسامعون مهما كانوا صاغين ولكن هناك فارق كبير بين النظر والسماع ، فيا لها من عبرة أنترى ذلك الرجل الشجاع الذي ذاع صيته في الأرجاء وهو الآن طريح الفراش جثة هامدة لا يقوى حتى على تحريك جفن عينيه ، كما لا تقوى شفتاه على الحركة وهذا ما ينطوي على أعظم درس وعبرة حيث يشاهد الإنسان بعينه أفول القوة والقدرة فيغرق في هالة من التفكير ، وهل لواعظ القدرة على إبراز هذا التأثير ؟
وأخيراً إختتم الوصيّة بتوديع الناس ، ذلك الوداع الأليهم فقال :
« وَدَاعِي لَكُمْ وَدَاعُ امْرِىً مُرْصِدٍ « 7 » لِلتَّلَاقِي ! غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي ، وَيُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي ، وَتَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُوِّ
مَكَانِي وَقِيَامِ غَيْرِي مَقَامِي » .
نعم ، فحين رجل مظهر العدل ذلك الزعيم الشفيق والرؤوف ، وحين غادر الناس تلك
هامش
( 1 ) « مخط » : من مادة « خط » بمعنى محل الخطوط .
( 2 ) « خلاء » : بمعنى خالية .
( 3 ) « حراك » : وحركة لها معنى واحد .
( 4 ) « هدو » : على وزن غلو بمعنى السكون وعدم القدرة على الحركة .
( 5 ) « خفوت » : بمعنى السكون والتوقف عن الحركة .
( 6 ) « اطراق » : خفض العين لضعف الأجفان .
( 7 ) « مرصد » : من مادة « ارصاد » بمعنى الاستعداد والانتظار .