القسم الثاني : صفات الزهّاد في الدنيا
« إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَإِنْ ضَحِكُوا ، وَيَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَإِنْ فَرِحُوا ، وَيَكْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَإِنِ اغْتُبِطُوا بِمَا رُزِقُوا . قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الْآجَالِ ، وَحَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ الآمَالِ ، فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ الآخِرَةِ ، وَالعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الآجِلَةِ ، وَإِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلَّا خُبْثُ السَّرَائِرِ ، وَسُوءُ الضَّمَائِرِ . فَلَا تَوَازَرُونَ وَلَا تَنَاصَحُونَ ، وَلَا تَبَاذَلُونَ وَلَا تَوَادُّونَ » .
الشرح والتفسير
أشار الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الخطبة إلى ثلاث نقاط تكمل المقطع المذكور من الخطبة وتؤكّده ، وهى مقدمة للقسم القادم من الخطبة .
فقد إتّجه أولًا إلى وصف الزهّاد في الدنيا ليتضح وضع كل فرد من خلال مقارنة أحوال المخاطبين مع أحوال أولئك ، فذكر ثلاث خصائص يتحلى بها الزهّاد قائلًا :
« إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَإِنْ ضَحِكُوا » .
صفتهم الثانية تكمن في شدّة حزنهم رغم فرحهم وسرورهم :
« وَيَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَإِنْ فَرِحُوا » .
وأمّا صفتهم الثالثة فهم ناقمون على أنفسهم ساخطون عليها ( وهم ليسوا راضين عن أعمالهم وطاعاتهم ) رغم شكرهم اللَّه سبحانه وتعالى على موفور الرزق والنعمة :
« وَيَكْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَإِنِ اغْتُبِطُوا « 1 » بِمَا رُزِقُوا » .
هامش
( 1 ) قرأها أغلب شرّاح نهج البلاغة مبنية للمجهول بينما قرأها البعض الآخر مبنيّة للمعلوم ففهموا من العبارة شبيه ما ذكر ، والحال يتبيّن من الرجوع إلى المتون اللغوية أن للإغتباط معنى آخر هو السرور وحمد اللَّه وشكره على نعمة ( انظر لسان العرب والقاموس وسائر المصادر اللغوية ) .