ثم واصل الإمام عليه السلام الكلام بهذا الخصوص من خلال طرحه على شكل سؤال ، لينطلق الجواب عليه من باطن قلب المخاطب فيكون له أثره البالغ والعميق :
« فَمَا خَيْرُ دَارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ الْبِنَاءِ ، وَعُمُرٍ يَفْنَى فِيهَا فَنَاءَ الزَّادِ ، وَمُدَّةٍ تَنْقَطِعُ انْقِطَاعَ السَّيْرِ ! » .
لقد استعمل الإمام عليه السلام قمّة الفصاحة والبلاغة في هذه التشبيهات الثلاث ، فقد شبّه بادىء الأمر الدنيا بدار خاوية بالية قد انفطرت جدرانها وأشرفت سقوطها على الانهيار ، ثم شبّه عمر الإنسان بالأطعمة التي توضع على المائدة وتأخذ بالتناقص مع مرور الزمان إثر تناولها ، وأخيراً شبّه فترة بقاء الإنسان في هذا العالم بالأسفار القصيرة التي لا يكاد المسافر يحث خطاه فيها حتى ينقطع أمدها .
ثم إختتم عليه السلام هذا القسم من الخطبة بثلاث وصايا خاطب بها الجميع فقال :
« اجْعَلُوا مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِكُمْ ، وَاسْألُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقّهِ مَا سَأَلَكُمْ ، وَأَسْمِعُوا دَعْوَةَ الْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُمْ » .
فقد أوصى الناس في العبارة الأولى أن يهتم الناس على الأقل بالفرائض الشرعية بقدر طلباتهم الشخصية فيجدوا ويجتهدوا في هذا الأمر ، لا أن يجعلوا الصدارة لحاجاتهم الدنيوية ويهمّشوا الفرائض الإلهيّة والواجبات الشرعية .
كما يحتمل أن يكون المراد اجعلوا التوفيق للإتيان بالفرائض والواجبات الشرعية من حاجاتكم وطلباتكم بين يدي اللَّه تبارك وتعالى ، غير أنّ المعنى الأول يبدو هو الأنسب وذلك للإشارة إلى هذا المعنى والتي وردت في العبارة الثانية إذ قال :
« وَاسْألُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقّهِ »
، وعليه سيكون تفسير الجملتين تكرار لمفهوم واحد .
وأخيراً أشارت العبارة الثالثة إلى التأهب والاستعداد لمواجهة الموت من خلال أداء حقوق الناس والتوبة من الذنوب وتدارك ما فرط ، وبخلافه فانّ الموت سيباغت الإنسان ويقذف به في عالم لم يعد العدّة لدخوله .
نفحات الولاية — صفحة 43
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٤٣