فقد أشار الإمام عليه السلام بهذه العبارات إلى مسألة وهى إننا إن عددنا حاجاتنا ومشاكلنا الواحدة بعد الأخرى لا على أساس إنّك لا تعلمها ، بل لأنّك تحبّ أن يطرح العباد مشاكلهم بألسنتهم ويقرون بعجزهم وسعة حاجاتهم ، ثم أشار إلى أربع مشاكل تشترك مع بعضها من جهات وتشترك في أخرى وهى : صعوبات الحياة والجدب والقحط والرغبات التي يتعذر نيلها في الشرائط العادية ، وأخيراً الفتن الصعبة والمزعجة ، وهى المشاكل التي لا يرجى حلّها إلّا من اللَّه تبارك وتعالى ، ورد في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال :
« إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ حَاجَتَكَ وَما تُريدُ وَلَكِنَّهُ يُحِبُّ أَن تَبُثَّ إِلَيهِ الحَوائِجَ » « 1 » .
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه فقال :
« اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَلَّا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ ، وَلَا تَقْلِبَنَا وَاجِمِينَ « 2 » ، وَلَا تُخَاطِبَنَا بِذُنُوبِنَا ، وَلَا تُقَايِسَنَا تناقشنا بِأَعْمَالِنَا » .
فليس هنالك من سبيل للنجاة إن عاملتنا على أساس أعمالنا ، فنسألك أن بحملنا على لطفك وكرمك وألّا نرجع خائبين من بابك ، والطبع فانّ هذه الأدعية وإن اشتملت على الطلبات المؤكدة من اللَّه تبارك وتعالى ، فهي تنطوي على الدروس العميقة المعنى للسامعين ليقضوا على آثار ذنوبهم وشناعة أعمالهم فيسارعوا لإصلاح أنفسهم ، وتشتمل أغلب الأدعية التي تردنا عن المعصومين عليه السلام على هذه الأمور التربوية .
وأخيراً طرح طلبه النهائي قائلًا :
« اللَّهُمَّ انْشُرْ عَلَيْنَا غَيْثَكَ وَبَرَكَتَكَ ، وَرِزْقَكَ وَرَحْمَتَكَ ؛ وَاسْقِنَا سُقْيَا نَاقِعَةً نافعة مُرْوِيَةً مُعْشِبَةً « 3 » ، تُنْبِتُ بِهَا مَا قَدْ فَاتَ ، وَتُحْيِي بِهَا مَا قَد مَاتَ . نَافِعَةَ الْحَيَا « 4 » ، كَثِيرَةَ الُمجْتَنَى ، تُرْوِي بِهَا الْقِيعَانَ « 5 » ، وَتُسِيلُ الْبُطْنَانَ ، وَتَسْتَوْرِقُ الْأَشْجَارَ ، وَتُرْخِصُ الْأَسْعَارَ ؛ « إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ » « 6 » .
هامش
( 1 ) في ظلال نهج البلاغة 2 / 319 .
( 2 ) « واجم » : من مادة « وجم » على وزن نجم من اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام .
( 3 ) « معشبة » : من مادة « عشب » على وزن شرف نمو النبات .
( 4 ) « الحيا » : بمعنى المطر ووفرة النعمة .
( 5 ) « القيعان » : جمع « قاع وقاعة » الأرض السهلة الواسعة كما تطلق أحياناً على الأرض التي تتجمع فيها المياه .
( 6 ) والجدير بالذكر قد نزلت الآن ( حين كتابتي لهذه السطور في العاشر من رمضان عام 1423 ه ) أمطار مفعمة بالبركة والخير بعد جفاف طويل ، ويبدو أنّ هذا المطر ينطوي إن شاء اللَّه تعالى على جميع الصفات التي ذكرها الإمام عليه السلام في هذه الخطبة .