وَالْأَكْنَانِ « 1 » ، وَبَعْدَ عَجِيجِ الْبَهَائِمِ وَالْوِلْدَانِ ، رَاغِبِينَ فِي رَحْمَتِكَ ، وَرَاجِينَ فَضْلَ نِعْمَتِكَ ،
وَخَائِفِينَ مِنْ عَذَابِكَ وَنِقْمَتِكَ » .
إشارة إلى أنّ خروجنا من المنازل وقدومنا إلى الصحراء من أجل أداء صلاة الاستسقاء دليل على إسرافنا على أنفسنا ، فان كنّا من عبادك الخاطئين فما ذنب هذه الماشية والأطفال العطاشى ، وليس لنا من دافع في هذا الخروج سوى طلب رحمتك وفضلك وكرمك وقد أقبلنا عليك وأتينا إليك واستجرنا بك من عذابك وعقوبتك ، وقد صرّحت الروايات الإسلامية الواردة في باب آداب صلاة الاستستقاء بحمل حتى الرضع من الأطفال والهيم العطاشى إلى الصحراء ، بل وردت الوصيّة بتفريق الأطفال عن أمهاتهم لترق القلوب لبكاء الأطفال ويزداد الإقبال على اللَّه تبارك وتعالى « 2 » .
ولا يخفى ما لهذا المنظر من عظيم الأثر في إثارة عواطف الناس وحضور قلوبهم وجريان دموعهم والذي يؤدّي إلى استجابة الدعاء ، إلى جانب كونه سبب المزيد من لطف اللَّه ورحمته .
ثم طرح طلبه الرئيسي فقال عليه السلام :
« اللَّهُمَّ فَاسْقِنَا غَيْثَكَ ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ ، وَلَا تُهْلِكْنَا بِالسِّنِينَ « 3 » ، وَلَا تُؤَاخِذْنَا « بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا » يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ »
، أي وإن فعل فريق من الجهّال ما يوجب قطع الفيض الإلهي عنهم ، ولكن عاملنا بكرمك وفضلك ولا تعاملنا بعدلك ، فلا طاقة لنا بعدلك وليس لنا سوى عفوك ورحمتك ، ولما كان شرط استجابة الدعاء في إذعان الفرد بعجزه وأنّ اللَّه على كل شيء قدير فقد قال عليه السلام :
« اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ نَشْكُو إِلَيْكَ مَا لَايَخْفَى عَلَيْكَ ، حِينَ أَلْجَأَتْنَا الْمَضَايِقُ الْوَعْرَةُ « 4 » ، وَأَجَاءَتْنَا « 5 » الْمَقَاحِطُ « 6 »
الُمجْدِبَةُ « 7 » ، وَأَعْيَتْنَا الْمَطَالِبُ الْمُتَعَسِّرَةُ ، وَتَلَاحَمَتْ « 8 » عَلَيْنَا الْفِتَنُ المحن الْمُسْتَصْعِبَةُ » .
هامش
( 1 ) « الأكنان » : جمع « كن » على وزن « جن » بمعنى واسطة الحفظ والصون ومن هنا تطلق الأكنان على الغيران .
( 2 ) راجع الخطبة 155 بشأن آداب صلاة الاستستقاء .
( 3 ) « السنين » : جمع « سنة » وإن استعملت مع مفردة الهلكة أو الأخذ عنت الجدب والقحط .
( 4 ) « الوعرة » : بالتسكين كناية عن صعوبة الحياة .
( 5 ) « أجاءت » : من مادة « مجيىء » من باب إفعال بمعنى ألجأته .
( 6 ) « مقاحط » : جمع « مقحطة » من مادة « قحط » بمعنى سنين الجدب .
( 7 ) « مجدية » : من مادة « جدب » على وزن جعل قلّة النعمة ، وعليه المجدبة تطلق على السنين التي يعاني فيهاالناس من الشدّة فيغ أرزاقهم .
( 8 ) « تلاحمت » : من مادة « تلاحم » بمعنى الاتصال .