فالحديث يشير إلى الحادثة المعروفة لأصحاب الجمل حين قدموا من المدينة إلى البصرة ، فلمّا بلغوا الحوأب نبحت عائشة كلابها ، فتذكرت حديث النبي صلى الله عليه وآله فقالت : إرجعوني إلى المدينة ، لكن الساسة المحترفين جندوا أهل تلك المنطقة ليشهدوا بأنّ تلك المنطقة ليست الحوأب « 1 » .
وروى ابن عساكر في « تاريخ دمشق » ومتقى الهندي في كنز العمال أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام :
« يَا عَلَيُّ ستُقاتِلُ الفِئَةِ البَاغِيةِ وَأَنتَ عَلَى الحَقِّ فَمَن لَم يَنصُركَ يَومَئذٍ فَلَيسَ مِنِّي » « 2 »
، ومن هنا قال الإمام عليه السلام إنّ معي لبصيرتي ما لبست ولا لبس عليَّ ، فالعبارة :
« فِيهَا
الْحَمَأُ وَالْحُمَةُ »
، بالنظر إلى أنّ الحمأ بمعنى المستنقع والمادة الغامقة في جرف الأحواض والجداول ، والحمة بضم ففتح بمعنى الإبرة اللاسعة للعقرب والحية ، فهي كناية عن الأفراد الأرجاس والخطيرين الذين كانوا من مثيري فتنة الجمل .
وهنا تفسير آخر لهاتين المفردتين في أنّ الحمأ بمعنى القرابة الحميمة والحمة بمعنى الزوج وهى كناية عن الزبير بن العوام ابن عمة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، وعائشة إحدى أزواج النبي صلى الله عليه وآله ، والعبارة الشبهة المغدقة بالنظر إلى أنّ المغدقة من مادة أغداق تعني في الأصل التغطية إشارة إلى الضجة التي أقامها أصحاب الجمل بعنوان المطالبة بدم عثمان والحال أيديهم ملطخة بدم عثمان ، بينما صوروا أنفسهم من حماته ، وهذه العبارة لا تنافي العبارة اللاحقة التي قالت بوضوح المطلب ، لأنّ المراد هو عدم خفاء الأمر على الأفراد من ذوي العقول والإدراك ، لأنّهم كانوا على علم بمؤامرات أصحاب الجمل ودعاياتهم المغرضة الكاذبة .
ثم إختتم الإمام عليه السلام كلامه بتوجيه تهديد شديد استهله بالقسم فقال عليه السلام :
« وَايْمُ اللَّهِ
هامش
( 1 ) أورد ابن الأثير في المجلد الثاني ، ص 315 عن الكامل شرحاً مفصلًا لقضية نباح كلاب الحوأب وصراخ عائشة وعزمها على الرجوع وشهادة البعض على كذب من قال تلك المنطقة هي الحوأب .
( 2 ) تاريخ دمشق 32 / 171 ، طبعه بيروت ؛ كنز العمال 12 / 211 طبعة حيدر آباد ( مطابق نقل أحقاق الحق 17 / 166 ) .