وتطبق القوانين والأحكام وتوكل زعامة الأمة وإمامتها إلى الصالحين من أفرادها ، فإن كان إمام الخلق بخيلًا اقتصرت همّته وشهوته على جمع الأموال وضحى بكل شيء من أجل بلوغ هذا الهدف ، فلا من أمن واستقرار ، ولا من احترام للقوانين والأحكام .
ثم قال عليه السلام في بيان الصفة الثانية :
« وَلَا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ » ،
فلا شك أنّ العلم بالأحكام والموضوعات والأساليب الصحيحة تعدّ من أهم دعائم الحكومة وليس للجهّال من الأفراد قدرة إدارة شؤون الحكومة وإن صفت نيّتهم واتصفوا بالورع والتقوى ، فهم يقودون الأمة إلى المجهول بجهلهم .
وقال عليه السلام في بيان الصفة الثالثة :
« وَلَا الْجَافِي « 1 » فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ » ،
فمن أبرز صفات والي العدل العطف والمحبّة والسماحة والمدارسة ، ونعلم بأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قد استقطب القلوب البعيدة عن الحق بهذه الشفقة والمحبّة ، وهذه رحمة إلهيّة كبرى كما وصفها القرآن الكريم بالقول :
« فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ . . . » « 2 » .
ثم قال عليه السلام في الصفة الرابعة :
« وَلَا الْحَائِفُ « 3 » لِلدُّوَلِ « 4 » فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ » ،
وهذا هو البلاء الذي أصاب عثمان ، وقد سدّد الضربات المهلكة للمجتمع الإسلامي بحيث لا يمكن معالجتها ، فقد أغدق أموال بيت المال المسلمين على قرابته وبطانته ومتملقيه ، ممّا أدّى إلى قيام المظلومين عليه حتى قتلوه فظهرت الخلافات العظيمة بين الناس آنذاك وما زالت أثارها باقية .
ثم قال عليه السلام في الصفة الخامسة :
« وَلَا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ ، وَيَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ « 5 » » ،
فأهم عامل للحكم بالظلم والجور هو الرشوة التي يقدمها أصحاب الثراء والقدرة فيغيرون مسار القضاء ليصدر أحكامه لصالحهم ضد أصحاب الحق فيحولون دون إجراء الحق والعدل .
هامش
( 1 ) « الجافي » : من مادة « جفاء » تعني قي الأصل العنف وأخذ الشيء .
( 2 ) سورة آل عمران / 159 .
( 3 ) « الحائف » : من مادة « حيف » بمعنى الظلم والجور وتعني في الأصل الانحراف في الحكم التمييز .
( 4 ) « دول » : جمع « دولة » بمعنى المال .
( 5 ) « المقاطع » : جمع « مقطع » بمعنى أخر كل شيء ، كما تطلق هذه المفردة أحياناً على الحدود الإلهيّة التيتنتهي بجرم المجرمين وقد وردت بهذا المعنى في العبارة ، وفي إشارة إلى أنّ القاضي إن كان مرتشياً فانّه لا يأذن باجراء حدود اللَّه تعالى .