تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
وتطبق القوانين والأحكام وتوكل زعامة الأمة وإمامتها إلى الصالحين من أفرادها ، فإن كان إمام الخلق بخيلًا اقتصرت همّته وشهوته على جمع الأموال وضحى بكل شيء من أجل بلوغ هذا الهدف ، فلا من أمن واستقرار ، ولا من احترام للقوانين والأحكام . ثم قال عليه السلام في بيان الصفة الثانية : « وَلَا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ » ، فلا شك أنّ العلم بالأحكام والموضوعات والأساليب الصحيحة تعدّ من أهم دعائم الحكومة وليس للجهّال من الأفراد قدرة إدارة شؤون الحكومة وإن صفت نيّتهم واتصفوا بالورع والتقوى ، فهم يقودون الأمة إلى المجهول بجهلهم . وقال عليه السلام في بيان الصفة الثالثة : « وَلَا الْجَافِي « 1 » فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ » ، فمن أبرز صفات والي العدل العطف والمحبّة والسماحة والمدارسة ، ونعلم بأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قد استقطب القلوب البعيدة عن الحق بهذه الشفقة والمحبّة ، وهذه رحمة إلهيّة كبرى كما وصفها القرآن الكريم بالقول : « فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ . . . » « 2 » . ثم قال عليه السلام في الصفة الرابعة : « وَلَا الْحَائِفُ « 3 » لِلدُّوَلِ « 4 » فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ » ، وهذا هو البلاء الذي أصاب عثمان ، وقد سدّد الضربات المهلكة للمجتمع الإسلامي بحيث لا يمكن معالجتها ، فقد أغدق أموال بيت المال المسلمين على قرابته وبطانته ومتملقيه ، ممّا أدّى إلى قيام المظلومين عليه حتى قتلوه فظهرت الخلافات العظيمة بين الناس آنذاك وما زالت أثارها باقية . ثم قال عليه السلام في الصفة الخامسة : « وَلَا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ ، وَيَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ « 5 » » ، فأهم عامل للحكم بالظلم والجور هو الرشوة التي يقدمها أصحاب الثراء والقدرة فيغيرون مسار القضاء ليصدر أحكامه لصالحهم ضد أصحاب الحق فيحولون دون إجراء الحق والعدل .
هامش
( 1 ) « الجافي » : من مادة « جفاء » تعني قي الأصل العنف وأخذ الشيء . ( 2 ) سورة آل عمران / 159 . ( 3 ) « الحائف » : من مادة « حيف » بمعنى الظلم والجور وتعني في الأصل الانحراف في الحكم التمييز . ( 4 ) « دول » : جمع « دولة » بمعنى المال . ( 5 ) « المقاطع » : جمع « مقطع » بمعنى أخر كل شيء ، كما تطلق هذه المفردة أحياناً على الحدود الإلهيّة التيتنتهي بجرم المجرمين وقد وردت بهذا المعنى في العبارة ، وفي إشارة إلى أنّ القاضي إن كان مرتشياً فانّه لا يأذن باجراء حدود اللَّه تعالى .