جنودهم وحماتهم :
« أَلَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ منْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً ، وَأَبْقَى آثَاراً ، وَأَبْعَدَ آمَالًا ، وَأَعَدَّ عَدِيداً « 1 » ، وَأَكْثَفَ « 2 » جُنُوداً ! » .
فقد أشار الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الخطبة إلى خمس خصائص إمتازت بها الأقوام السابقة وهى : طول العمر ، وبقاء الآثار والمخلفات ، وطول الآمال ، وكثرة السكان ، وكثرة الجنود ، فهي خصائص منحتهم التفوق على سائر من سواهم ، وإلّا أنّ أي من هذه الامتيازات لم يحل دون زحف العدم والفناء لقصورهم وأديتهم ، فكان مصيرهم أن تلاشوا وتساقطوا ركوعاً للموت تساقط أوراق الشجر في فصل الخريف .
ثم أضاف عليه السلام مواصلًا كلامه بهذا الشأن : « تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَيَّ تَعَبُّدٍ ، وَآثَرُوهَا أَيَّ إِيثَارٍ . ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلّغٍ وَلَا ظَهْرٍ قَاطِعٍ » .
نعم ، فرغم كلّ سعيهم وجهدهم في سبيل عبادة الدنيا والذوبان فيها وتجنيد كافة قواهم وطاقاتهم في هذا الاتجاه ، إلّاأنّهم لم يصيبوا أي شيء منها ، ثم مشوا إلى حتوفهم وقد خلت جعبهم من الزاد والمتاع ودون حمل الورع والتقوى التي لا يجدي غيرها نفعاً هناك ، فطريق الآخرة شاق طويل لا يجتازه إلّاأهل الورع والتقى .
ثم خاطب عليه السلام صحبه : هل بلغكم أنّ الدنيا قدمت لأحدهم فدية لتنجيه من الموت أو سكراته ؟ أم هل أعانتهم بشيء في هذا السبيل ؟ أم هل كانت على الأقل صاحباً حسناً لهم :
« فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ « 3 » لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ ، أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ ، أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً ! » .
نعم ، لم تقدم لهم أي عون ولم تنجيهم عن المكاره والأهاويل ، أفلا يكون ذلك عبرة لم اعتبر من أبناء الدنياأ !
ثمّ واصل الإمام عليه السلام كلامه بهذا الخصوص قائلًا :
« بَلْ أَرْهَقَتْهُم « 4 » بِالْقَوَادِحِ « 5 » ، وَأَوْهَقَتْهُمْ « 6 »
هامش
( 1 ) « عديد » : بمعنى « العدد » ، كما ورد بمعنى الشبيه والمثيل وأريد بها المعنى الأول في عبارة الخطبة .
( 2 ) « أكثف » : تفضيل « كثيف » بمعنى الكثير .
( 3 ) « سخت » : من مادة « السخاوة » بمعنى العطاء .
( 4 ) « أرهقت » : من مادة « إرهاق » ستر الشيء بالقوّة ، أرهقتهم بمعنى غشيتهم .
( 5 ) « قوادح » : جمع « قادحة » بمعنى الآفة .
( 6 ) « أوهقت » : من مادة « وهق » حلقة توضع على رقبة الحيوان .