بينما توالت الخطب التي تعرض بالذمّ لطائفة أخرى من أصحابه ، وذلك بعد معركة صفين التي انتهت بفشلهم بفعل اختلاف كلمتهم وضعفهم في عقيدتهم وإرادتهم وعدم طاعتهم وإمتثالهم للأوامر ، ولم يكن ذيك سوى في اللحظات الأخيرة التي أوشك النصر فيها علىالتحقق والرسوخ ، فذلك الثناء وهذا الذم يفيد أن كل ذلك يتمّ على أساس حساب تخطيط وليس هناك من تناقض في الأمر ، كما لم تطلق كلمة في هذا المجال تتعارض والحكمة والمصلحة ، الأمر الذي ربّما يلتبس على البعض الذين لا يعلمون بشأن وورد هذه الخطبة .
النقطة الأخرى هي أنّ الإمام عليه السلام عين في هذا الكلام القصير وظيفة الأمة تجاه الحكومة ، فيجب عليها من جانب الوقوف من أجل استقطاب الأوفياء ودفع الحاقدين ، ومن جانب آخر التمعن في كافة الأنشطة السياسية والاجتماعية والعسكرية وإبداء المقترحات النافعة والانتقادات البناءة بهذا الخصوص .
ثم يشير في آخر عبارة من هذه الخطبة إلى نقطة مهمّة وهى مسألة الولاية الإلهيّة ، وهو الأمر الذي أكدّه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في خطبة الغدير حيث قال :
« أَلَستُ أَولى بِكُم مِنْ أَنفُسِكُم »
، فردّ المسلمون : بلى يا رسول اللَّه ، ثمّ قال صلى الله عليه وآله :
« مَنْ كُنتُ مَولاهُ فَهذا عَلِيٌّ مولُا »
. . هكذا قطع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الأعذار على جميع من يتشبث بالحجج الواهية ويختلق الذرائع ليقول الولي هنا بمعنى الصديق .
والطريف في الأمر أنّ العلّامة الأميني صاحب كتاب الغدير قد نقل العبارة :
« أَلَستُ أَولى بِكُم مِنْ أَنفُسِكُم »
من أربعة وستين محدّثاً ومؤرخاً إسلامياً ، وهذا ما يؤكد اتفاق الجميع على هذه العبارة « 1 » ، فالإمام عليه السلام ذكر هذه النقطة في الخطبة وأقسم قائلًا :
« فَواللَّهِ إِنّي لَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ ! » .
من الواضح أنّ المراد من هذ العبارة هو أنّ أوامر الإمام المعصوم كأوامر اللَّه تبارك وتعالى مقدمة على رغبات الناس ، وإن كانت هذه الأوامر تصبّ في طريق مصالح المجتمع ومنافعه .
هامش
( 1 ) الغدير 1 / 371 .