فيلبس الإسلام ثوباً مقلوباً :
« وغار « 1 » الصدق ، وصار الفسوق نسبا ، والعفاف عجباً ،
ولبس الإسلام لبس الفرو « 2 » مقلوباً » .
يمكن أن تكون العبارة
« غار الصدق ، وفاض الكذب »
وبالالتقات إلى معنى الغور الذي يعني الانتشار داخل الأرض وفاض من فيض بمعنى الماء الوفير أو المطر وأمثال وذلك ، إشارة إلى ذلك الزمان وكأنّ عيون الصدق قد غارت فيه في الأرض بينما جفت بساتين الحياة الإنسانية اثر ابتعادها عن هذه المياه ، وبدلا من ذلك فقد عم وانتشر الكذب وكأنه الماء المالح الذي يخرب كل شيء .
والعبارة
« صار الفسوق نسباً »
تفيد مدى اقتراب الفسقة من بعضهم وتوطيد أواصرهم وكأنهم قرابة ونسب .
وقد فسر بعض شرّاح نهج البلاغة الفسوق هنا بالزنا ؛ أي يكثر أولاد الحرام في المجتمع ، وينسجم هذا التفسير والعبارة :
« والعفاف عجباً » .
الاحتمال الآخر في تفسير هذه العبارة أنّ الفسقة يفتخرون بفسقهم ، كما تفتخر العرب بنسبها ، وعلى العكس من ذلك فانّ الأفراد من أهل الطهر والعفاف يشعرون بالخجل إثر ذم المجتمع وملامتهم لهم .
والعبارة :
« لبس الإسلام لبس الفرو مقلوباً »
إشارة إلى نقطة لطيفة وهى أنّ حكام الجور والفسقة والفجرة لايسعون إلى القضاء على الإسلام وسلب الناس دينهم ، بل يحرفون الإسلام ويقلبون محتواه من أجل تحقيق أطماعهم ومآربّهم . وشهد تاريخ الحكومات المستبدة ولا سيما حكومة بني أمية على صدق هذا الكلام .
طبيعي أنّ اللباس إذا قلب لم يعد له من شبه بثياب الناس ، بل يبدو من يرتديه حيواناً ، أما ذكر هذه العبارة بعد الحديث عن مفاسد ذلك الزمان يمكن أن يكون من قبيل ذكر العام بعد الخاص ؛ لأنّ الإسلام إذا قلب كان الكذب بدل الصدق والفسوق بدل العفاف وسائر الرذائل بدل الفضائل والقيم .
هامش
( 1 ) « غار » من مادة « غور » الدخول في الشيء وإذا استعمل في الماء عنى غوره في الأرض ، ومن هنا يستعملبمعنى الانعدام أيضاً .
( 2 ) « فرو » ما يهيىء من جلد الحيوانات وله صوف عادة ما يلبس في الشتاء .